منتدي طلاب ثانوية ابو مناع بحري
عزيزى الزائر اهلا بك فى المنتدى الخاص بمدرسة أبو مناع الثانوية المشتركة نرجوا منك التسجيل معنا لكى تتمكن من
الاستفاده من جميع خدمات المنتدي مع تحيات الإدارة العامة لمنتدى
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
»  جروب ثانوية عامة ابو مناع بحرى على فيس بوك
السبت مارس 28, 2015 10:19 pm من طرف ابراهيم رضوان

» جروب ثانوية عامة ابو مناع بحرى على فيس بوك
الجمعة أغسطس 22, 2014 1:07 am من طرف محمد عبدالباسط عبدالله

» نتيجة الصف الثانى تيرم 1 عام 2014
الخميس يناير 30, 2014 12:46 am من طرف ابراهيم رضوان

» نتيجة الصف الاول تيرم 1 عام 2014
الخميس يناير 30, 2014 12:22 am من طرف ابراهيم رضوان

» اسئلة روعة فى الجيولوجيا
الأحد نوفمبر 24, 2013 6:39 pm من طرف مجهول لكن معروف

» نتيجة الصف الثاني
الإثنين يونيو 03, 2013 12:50 pm من طرف sayed abeid

» براميل الفيزياء الأميركية
الثلاثاء مايو 14, 2013 9:51 am من طرف حسين عبدالرحمن حسن

» Cool خزعبلاتنا ..
الثلاثاء مايو 14, 2013 9:48 am من طرف حسين عبدالرحمن حسن

» عين توت ليمون
الثلاثاء مايو 14, 2013 9:44 am من طرف حسين عبدالرحمن حسن

www.abomanaa.com

أبو الالحاد يوميات ملحد افتراضى لمن يحب ان يضيف

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

أبو الالحاد يوميات ملحد افتراضى لمن يحب ان يضيف

مُساهمة من طرف حسين عبدالرحمن حسن في الجمعة أكتوبر 21, 2011 2:30 pm

(1) أبو الإلحاد الرقمي في أزمة


جلس أبو الإلحاد الرقمي القرفصاء يلملم أفكاره ويراكم أوزاره, لم يفتح عليه اليوم بشيء. يا له من يوم عقيم من أيام "الإلحاد الإلكتروني" وياله من نهار مظلم من أيام "التنوير اللاديني"! ترى لم غاب عنه اليوم شيطانه؟ ربما لأنه مال شيئا قليلا عن جادة الإلحاد. تصوروا, لقد خطر بباله لوهلة أن الإسلام قد يكون حقا دين الحق! كيف يحدث مثل هذا لمثله؟ إنه يتصفح أمهات كتب الملة الإسلامية كالعالم النحرير ويغوص في أحشائها كالغواص البصير, يتصيد العثرات, ويقتنص الهفوات, ويفرح بالتصحيف, ولا يبالي بتصحيح ولا تضعيف, يرى الجمال فيتوهم قبحه, ويرى الدليل كالشمس فيحسبه شبهة, يفعل ذلك كله ثم لا يشك في دينه طرفة عين.

تذكر نفسه يوما وهو في رحلة في بطون السنن والمسانيد, وبين المتون والأسانيد, يحملق في الأسماء والكنى, ويتتبع أخبرنا وحدثنا, وليس له في علم الرواية من أرب, ولا لعنائه من سبب إلا الطمع في اقتناص الشبهات المُردية, لبثها في الأمة المحمدية, طفق أبو الإلحاد يقلب مئات الصحائف دون طائل, فكاد أن ييأس, وقال كالمحدث نفسه: "سحقا سحقا! لقد فضح المنصرون الملاحدة.. لم يتركوا لنا شيئا يصلح شبهة إلا استخلصوه وبثوه على مواقع الشبكة, ثم انبرى له المسلمون ففروه ونقضوه ثم حرّقوه وذروه."

فجأة وجد شيئا جديدا لم يسبق إليه. جحظت عيناه وتسمرت على الشبهة الموعودة, شبهة بكر, يا ليتهم ابتكروا نظاما لتسجيل براءات الشبهات". بدأ بنسخ ولصق الحديث "الغريب".. ابتسم في شماتة وهو يحدث نفسه: "كيف يصدق المسلمون مثل هذا الكلام": [لا تسافر امرأة فوق ثلاث ليال إلا مع بــغــل]!!! بدأ يفرع وجوه بيان الشبهة.. "كيف يكون هذا كلام نبي: المرأة تسافر على بــغــل, فكيف تسافر مع بــغــل؟ بدأ بحثا "جوجليا" سريعا عن معاني حروف الجر: كتب: "هل تأتي "مع" بمعنى "على"؟ لم يفض بحثه إلى شيء ذي بال, فزاد سروره. بدأ يدبح مقالته بكلام الأخفش والفراء. حين فرك وجهه أحس بنتوء دقيق على أرنبة أنفه, حاول النظر إليه كهيئة الأحول فرأى سوادا. قام إلى المرآة فشرع يحك البثرة السوداء حتى تفتتت, ثم عاد ليتم مقالته. لما نظر إلى شاشة حاسوبه لم ير "بغلا" وإنما رأى "بعلا" ترى أين ذهبت النقطة؟ نظر مرة أخرى إلى موضع البثرة من أنفه.. ففهم أن نقطة "البغل" زالت من على أنفه, وأن ليس في المكان بغل إلا هو, لم يدر أيضحك أم يبكي, رأى شبهته تتلاشى أمام عينيه كالسراب, تتبع آثارها بفأرة الحاسوب ليلقيها في مثواها الأخير في "سلة المهملات".

حتى في ذلك اليوم المخزي, لم يشك في إلحاده, فما الذي دهاه اليوم؟ آه لقد تذكر, إنه جاره سليمان, إنه جاره منذ عشر سنين, يحييه, يتبسم في وجهه, يتفقده إن غاب, يهنئه كل عيد, يرسل إليه بين الحين والآخر بعض السمك والمحار, سليمان بحار. تصوروا, إنه لم يعبس في وجهه يوما, ولم يسمع منه كلمة عتاب, ولم ينظر إليه يوما نظرة شزراء. أيعقل أن يكون بهذه الأخلاق, ثم لا يكون لدينه دخل في ذلك؟ فرك أبو الإلحاد جبينه, وشرد للحظات, فعاوده السؤال: "ماذا لو كان هؤلاء على الحق؟" انتفض في مكانه مرتعبا. صفع وجهه مرات لعله يعود لرشده, بعثر أوراقه, أقعى وهو يضع كفه تحت ذقنه, فجأة تبسم, نعم الأمر واضح, كيف شك في إلحاده لأمر كهذا؟ كل ما هنالك أن سليمان إنسان يتصرف بمقتضى آليات التطور التي قرأ عنها في منتديات "الجرب والجذام". سليمان خلايا ذكية تجمعت عبر بلايين السنين واجتازت أهوال العصور الجليدية, واصطفت بمحض الصدفة لتشكل كائنا متطورا يحييه ويبتسم في وجهه. تخيل إنسان "البلتداون" وهو يجري في الأدغال مبتسما. وأي شيء في الابتسامة؟ التطور يفسر كل شيء. لا بد أن أجداد سليمان اكتشفوا أن البسمة تضاعف من فرص النجاة في معركة البقاء. لابد أنهم شهدوا انقراض بعض القبائل العابسة. لابد أنهم جلسوا في الكهوف يتمرنون على هذه الحركة الغريبة, التي لا يكاد يجد لها تفسيرا ماديا إلا بعد مشقة وتكلف وعنت . تخيل "لوسي" وهي تستقي الماء لتغسل أول مولود لها يولد من غير ذيل. لا بد أنها استغربت من هذا الجنين المشوه. وحُق لها, فإن التطور بقي سرا دفينا حتى أفشاه الإمام الأكبر أبو الطفرات شارل دارون. يالهم من مكابرين هؤلاء المسلمون. حتى متى تظل الغشاوة على أعينهم؟ ألم يروا "آردي" كيف أحاط الشعر الناعم وجهها الأسمر؟ لعلها "أفروديت" زمانها. ألم يكفهم جمال عينيها وهي تكتسي شيئا فشيئا ببريق عيون البشر؟ ماذا يريدون منا؟ أيريدون أن نحيي لهم إنسان "أسترالوبيثيكس" حتى يصدقوا العلم؟ طيب لينتظروا قليلا ليروا نهاية الوهم بأعينهم. كريك فينتر سيبهر العالم بابتكار أول "كائن حي مصنع", بعدما "صنع أول خلية صناعية".

بدأ أبو الإلحاد يغوص في تأملاته المادية حتى كاد يفقد صلته بالواقع, ففك إقعائه ثم انبطح على بطنه. أحس بنفسه ملتصقا بالأرض حتى كاد وجهه يتهشم. شعر بالغثيان. أحس كأن "انفجارا عظيما" يحصل في رأسه, اهتزت أفكاره, اضطربت نفسه, جلس يرتل ترانيم إلحادية "مهدئة" : "يا أيتها الصدفة العمياء, لك ندين وبك نستعين, يامن لا نعرف لك مكانا فنأتيك, ولا نعرف لك وجها فنقصده, أزيلي عنا الغم وأفيضي علينا العلم." ردد الكلمات التي وجدها في توقيع أحد صناديد منتديات "الجرب والجذام" على أمل أن يشعر بشيء من السكينة. تصور "نيتشه" وهو يعزف مقطوعة شيطانية على "الأوتار الفائقة" فتتموج أشكال مرعبة تكاد تتخطى "حاجز بلانك" حينها انفصل أبو الإلحاد الرقمي عن عالمنا تماما واستحال كالهباء المبثوث يسبح في "العوالم المتوازية".


عدل سابقا من قبل حسين عبدالرحمن حسن في الإثنين أكتوبر 24, 2011 7:19 am عدل 1 مرات
avatar
حسين عبدالرحمن حسن
عضو متميز
عضو متميز

عدد المساهمات : 191
تاريخ التسجيل : 19/11/2009
العمر : 24

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أبو الالحاد يوميات ملحد افتراضى لمن يحب ان يضيف

مُساهمة من طرف حسين عبدالرحمن حسن في الجمعة أكتوبر 21, 2011 2:31 pm

(2) أبو الإلحاد ورحلة البحث عن "معرف"

أبحر أبو الإلحاد على أمواج الشبكة العنكبوتية ليمارس نشاطه "التنويري" وفتح ملفا يختزن فيه كل شبهة يظفر بها يراها قدحا في الإسلام. سمى هذا الملف "تفنيد الدين" بدأ يقلب عينيه بين العناوين المثيرة, لكن سرعان ما اعتراه الملل. شعر أن كل شيء غدا بلا طعم. تذكر الأيام الخالية حين كان شابا مفعما بالحماس. يومها كان يشعر بأنه فيلسوف زمانه, وأن شيخ الأزهر نفسه لا يقوى على مناظرته لسعة اطلاعه وقوة حجته.

أما اليوم فإنه أصبح يضرب ألف حساب قبل ولوج منتدى إسلامي, فإن ينس فلن ينسى هروبه المخزي آخر مرة لما دخل منتدى "الموحدين لمحاورة الملحدين" وهو ينادي: "هلموا إلي هلموا, أنا مسلم سابق, أنا خريج الأزهر, حفظت القرآن والمتون, ودرست الفقه على المذاهب الأربعة, وجلست للفتوى فيما تعم به البلوى, إلى أن أبصرت النور أخيرا, وخلعت الخوف. وتخلصت من الوهم, أنا تحررت فألحدت, فهل من مناظر؟" يا ليته لم يتسرع في التحدي, يا ليته تجنب لفظ المناظرة, وما له والمناظرة؟ إنه لا يذكر متى قرأ كتابا كاملا في حياته. كل ما يحسنه قراءة نتف هنا وهناك, في الجرائد والمجلات, والقفز الافتراضي من موقع إلى موقع ومن صفحة إلى صفحة, أما المطالعة فإنه لا يملك الأناة التي تتطلبها. طلب المناظرة ففضحه "عبد الهادي" بسؤال واحد. قال له: "ما دمت كما تصف نفسك فأنت أعلم مني بالفقه, فاسمح لي بسؤال - قد حيرني - قبل أن نبدأ المناظرة: [هل يجوز العقد على الجلاّلة المطلقة طلاقا بائنا, أم لا بد من تمام العدة؟]

طبعا لم يتسرع في الجواب, فلا بد لفارس "الإلحاد الافتراضي" أن يأخذ حِذره في كل حواراته, فكيف إذا كان في منتدى "وهابي"؟ فتح أبو الإلحاد صفحة جديدة, وسأل إمام الشبكة العنكبوتية وبحر العوالم الإلكترونية وحجة العلوم الإنترنيتية "جوجل" : "هل يجوز نكاح المطلقة طلاقا بائنا قبل تمام العدة؟" ولم يخب ظنه, فقد جاء الجواب بإجماع الصحائف الإلكترونية المتخصصة في الفتوى: "لابد من تمام العدة". حين أرسل جوابه مذيلا بالأدلة النقلية التي تشهد باطلاعه, وتؤيد دعواه الإلمام بالفقه المقارن, حينها فات الأوان, لقد بلع أبو الإلحاد الطعم, وتقاطرت عليه الضحكات والتعليقات الساخرة من كل صوب: "يا فقيه الزمان, هل تكفي عدة "الجلاّلة" أم لا بد أن تحبس؟" و "هل يصح العقد بدون ولي؟" و"هل الحكم خاص بجلالة البقر, أم يعم الإبل كذلك؟" و"هل تحرم الجلّالة بالرضاع؟" حين استعان بالبحث الإلكتروني هذه المرة ليفهم سر تندر القوم عليه, كاد يصعق لهول ما قرأ: "الجلاّلة : الدابة التي تتبع النجاسات وتأكل الجلة , وهي البعرة والعذرة..." لم يستطع إتمام القراءة, دارت به الأرض, لم ير فرصة للتملص واختلاق الأعذار, فانسحب في صمت.

وهاهو الآن يبحث عن معرف جديد. هذه أول خطوة من خطوات "النضال الإلحادي الإلكتروني" بل هي أهمها على الإطلاق. المعرف هو جواز سفرك إلى منتديات المتدينين. يجب أن يكون "المعرف" ناطقا بالإلحاد, لكنهم لا يقبلون الأسماء المستفزة. ثمة شبه بين معرفات الملاحدة وبين البهارات, فلكليهما نكهة خاصة, لكن لا بد من القصد, فلو أسرفت فيهما صار الطعم غير مستساغ. إذن فليجرب: "ملحد ولا فخر", معذرة, يوجد مشترك بهذا الإسم. "فارس التطور" معذرة, يوجد مشترك بهذا الإسم. "مجرد صدفة" معذرة, يوجد مشترك بهذا الإسم. "لاديني ملتزم" معذرة, يوجد مشترك بهذا الإسم. "قبطان تائه", معذرة, يوجد مشترك بهذا الإسم. "أبو طفرة" معذرة, يوجد مشترك بهذا الإسم. تبا, هل هناك معرف لم يحجزه الزملاء؟ طيب, لأجرب شيئا غريبا: "تراكتور", ضغط الزر فأتم التسجيل: "مرحبا بك "تراكتور" سيتم تفعيل اشتراكك قريبا. ابتسم, و بدأ يهيئ السيناريو المناسب لهذا المنتدى. ترى هل يضع اسطوانة: "مسلم سابق" أم يعدل عنها إلى نشيد: "سئمت الإلحاد"؟ لا هذا ولا ذاك. "تراكتور" يوحي بالقوة والثقة, تخيل نفسه جرارا ينسف العقائد ويزلزل الإيمان.. فليدخل بشعار: "حتى متى تصدقون الخرافات؟" لكنه تردد, فقد علمته التجارب أن هذه الافتتاحية تنطوي على مجازفة كبيرة. ماذا عساه يفعل إذن؟ آه, هذه فكرة جيدة. بدأ يكتب موضوعه. بدأ بالعنوان: "أوشك أن أسلم, لولا حديث "صلاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى عنزة" وكتبها بسكون النون, وسأل: "أليست الصلاة إلى الحيوان ذريعة إلى الشرك.. وبدأ يتحدث عن التوحيد والرواسب الوثنية, وعن الحج والحجر الأسود... إلى أن أرشده أول مجيب إلى الفرق بين العنَزة والعنْزة فانسل هاربا كعادته. وكانت هذه نهاية معرف آخر لم يعمر إلا يوما أو بعض يوم. وبقي الموضوع اليتيم شاهدا على أزمة أبي الإلحاد الرقمي أو "تراكتور".
avatar
حسين عبدالرحمن حسن
عضو متميز
عضو متميز

عدد المساهمات : 191
تاريخ التسجيل : 19/11/2009
العمر : 24

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أبو الالحاد يوميات ملحد افتراضى لمن يحب ان يضيف

مُساهمة من طرف حسين عبدالرحمن حسن في الجمعة أكتوبر 21, 2011 2:34 pm

(3) أبو الإلحاد في زمن الصحوة

خرج أبو الإلحاد من بيته في ذلك المساء متعطرا في كامل زينته. سار إلى بيت صديقه وهو يمني النفس بليلة بألوان الطيف. يا له من عفريت صاحبه شفيق! إنه يعرفه منذ أيام الثانوية. إنه عملة نادرة في هذا الزمان. إنه آخر الصعاليك; لا يتهيب من شيء, ولا ينكص أمام نزوة, ولا يضع لرغائبه حدودا ولا فواصل. ظل أبو الإلحاد يأتيه منذ سنوات آخر الأسبوع لينعم بساعات ينضبط فيها المزاج. طرق الباب وهو يتوقع أقذع الشتائم, فإن قاموس التحية الذي تعارف عليه الرجلان من الصنف الذي ينبه عليه في وسائل الإعلام بأنه لا يصلح للأطفال. فتح شفيق الباب وكان وجهه غريبا, كان غريبا جدا, كان على وجهه معنى لم يره عليه من قبل, أو لنقل لقد غاب عنه شيء طالما لازمه. لم تتح له المفاجأة أن يتعرف أي شيء هو بالضبط, لكنه اختار أن يتجاهل الأمر, فبادر صاحبه على عادته: "ماذا جرى لك يا ثور؟ كأنك ما قمت بعد من النوم" فأجابه: "لا أبدا, كنت أصلي." فغر أبو الإلحاد فاه, وألجمته الصدمة برهة, ثم راجعه في ذهول: "كنت تعمل إيش؟" فأعاد عليه كلامه: "كنت أصلي العشاء".. فانفجر ضاحكا: "نعم نعم, كيف انطلى علي مكرك؟ أنت تمزح, يا شيطان, أفزعتني!" قاطعه شفيق قائلا: "أنا لا أمزح, لقد تبت إلى الله." مضت لحظات في صمت استعاد فيها أبو الإلحاد شريط ذكرياته في هذا البيت, تذكر المجون والفجور. كان دوما يتوقع من شفيق كل شيء, يتوقع منه كل سوء, فهو متقلب المزاج, وتمر به ساعات يكون فيها أشرس من ذئب, لكنه لم يتوقع شيئا كهذا الذي يحصل الآن أبدا. تأمل مرة أخرى في وجه صديقه, فوجد هدوءا لم يره عليه من قبل. فقال له مداعبا يريد تدارك ما جاء من أجله, ويتمنى أن ينتهي هذا الموضوع الغريب الذي يوشك أن يقلب لون ليلته من الأحمر إلى الرمادي فالأسود. قال له: "حسنا مادمت قد فرغت من الصلاة, فدعنا ندخل, الليلة لنا ونحن لها..." نظر إليه شفيق في سكينة وقال: "انتهت تلك الليالي إلى غير رجعة." فسأله أبو الإلحاد: "ماذا تعنى؟" فرد عليه: "أعني أني اليوم إنسان جديد" أمسك بكتفه وهو يقول: "نعم, لكنك لن تصبح متزمتا, تعال, هذا مستحيل. ليس أنت." فقاطعه قائلا: "لا تخف لا أنوي أن أصير متزمتا لكني مسلم, هذا كل شيء." فحاول أبو الإلحاد إلى آخر رمق أن ينقذ ليلته فقال وهو يتكلف الضحك: " حسنا يا شيخ, صليت العشاء, فافعل ما تشاء, شوية لربه وشوية لعبده" وحاول الدخول فحال شفيق بينه وبين الباب. حينها أحس أبو الإلحاد بشيء غريب, أحس لأول مرة بتفاهة إلحاده. إنه يقف أمام رجل يعرفه دهرا ولا يستطيع أن يمنعه من أن يشق طريقه بعيدا عنه. بدا له شفيق كأنه سفينة تبحر أمامه, وهو يقف في المرسى عاجزا ينظر إليها, ولا يملك أن يوقفها ولا أن يصعد إليها. أحس برغبة في الصياح أو البكاء أو الفرار, لكن نفسه كانت في غاية الضعف. نظر إلى صديقه وسأله: "وماذا عن صداقتنا؟" فأجابه: "تستطيع أن تزورني متى شئت, لكن انس ما كنا نجتمع عليه." حينها استدار أبو الإلحاد ومضى يجر رجليه, مضى وهو لا يكاد يصدق ما جرى.

أحس بريح تعصف في رأسه. مشى يحدث نفسه: إنه زمان صعب يا ابا الإلحاد. إن التزمت يزحف من كل حدب وصوب." أينما ولى رأى أصحاب اللحى, وسمع الأذان وتلاوة القرآن. حتى التلفزيون لم يعد آمنا, بالأمس كان يقلب القنوات وهو يحمل بيسراه سيجارة, فجأة بدا شيخ وقور ينظر إلى عينيه مباشرة ويقول له معاتبا: "ليش تدخن يا ابني, حرام عليك!" قفز في موضعه, وأطفأ الجهاز. ثم هاهو الساعة يمضي أمام المسجد, يجب أن يسرع. هذا أوان انصراف الناس من صلاة العشاء. فجأة وجد نفسه في بحر بشري. مر به شاب في العشرين. فأهداه ظرفا مغلقا, أخذه منه وانصرف مسرعا. وقبل أن يدخل حارته مر برجل عجوز نزل من سيارة أجرة, وهو يحمل حقيبة كبيرة, لم يشعر بنفسه إلا وهو يساعد العجوز في حمل متاعه, وضعه أمام باب بيته وهم بالانصراف, فالتفت إليه الشيخ فدعا له: "الله يرزقك شربة من حوض النبي يا ابني." ارتبك ولم يدر بأي شيء يجيب, خرجت من أحشائه كلمة طرقت أذنيه وهو لا يكاد يصدق ما قال, لقد قال أبو الإلحاد: "آمين!" لو نطق هذه الكلمة في مجلسه مع زملائه; إذن لظنوه جن.

ندم أشد الندم أنه ساعد الشيخ; بل ندم على خروجه من بيته هاته الليلة العجيبة. لا بد أن الصدفة تعبث بليلته وتحيك له مؤامرة تكاد تذهب بصفاء إلحاده. نعم كل ما جرى له صدفة, مروره أمام المسجد صدفة لا شك في ذلك, دعاء الشيخ أمر يحصل مع أمثاله من الأميين كل يوم, يدعون ويتمتمون بأشياء لا معنى لها طيلة نهارهم وليلهم, وما له ولهم؟.. كل ذلك حصل اتفاقا, لكن أن يصلي شفيق ليلة الأحد, وأن يصمد أمام إغراء السمر ورنين الكؤوس ودخان الشيشة كأنه راهب في كنيسة, هذا قطعا مما يأبى عقلي أن يصدقه بسهولة, فكيف يكون صدفة؟ لا بد لي من تفسير لهذا الانقلاب المفاجئ, ولا بد من عمل شيء أمام هذا الطوفان المتشدد, لا بد من تكثيف جهود دعاة التنوير, لا بد لهم من الوقوف في وجه زحف القنوات الدينية. استرسل في أفكاره حتى وصل بيته. وحين استلقى على فراشه, وأحس بشيء من الهدوء يعود إلى أفكاره, تذكر الظرف. فتحه في شرود, فوجد فيه سواكا وقطعة مسك, شعر بالاشمئزاز, ثم أخذ منه قرصا إلكترونيا كتب على غلافه بخط كوفي عريض: "لماذا لا تصلي؟" ألقى به بعيدا كأنه جمرة ملتهبة, وتسارع تنفسه, وأحس بضيق في صدره, أشعل سيجارة, وقال يحدث نفسه: "لن ينفعني في اجتياز هذه الليلة المشئومة إلا النوم, فلأنم كي ينتهي هذا الكابوس. خلع حذائه وأطفأ السراج.. وتمنى لو كان يؤمن بإله فيدعوه بشيء واحد لا ثاني له: "أن يلقي عليه طوفانا من النوم" لكن الإلحاد يضرب جذوره في أعماق نفسه, فأي إله يدعو؟.. أغمض عينيه فظهر له وجه شفيق الجديد مستنيرا, وهو يقول له: "لقد كنت ميتا فولدت من جديد." اجتهد في دفع هذا الخاطر, فظهر له الشيخ وهو يمسك يده ويقول: "الله يرزقك شربة من حوض النبي يا ابني." تخيل الصراط وخطاطيفه, تخيل نفسه يتحدر في جهنم, فتح عينيه, تصبب عرقا, تخيل أن صديقه شفيق جاءه وهو يليبس قميصا أبيض وقال له: "ليش ما تصلي؟" عندها قام أبو الإلحاد وأحضر كوب ماء وأخرج من جيبه علبة, أخذ منها حبتين, بلعهما ثم أتبعهما ماء, وما هي إلى دقائق حتى سمع له غطيط.
avatar
حسين عبدالرحمن حسن
عضو متميز
عضو متميز

عدد المساهمات : 191
تاريخ التسجيل : 19/11/2009
العمر : 24

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أبو الالحاد يوميات ملحد افتراضى لمن يحب ان يضيف

مُساهمة من طرف حسين عبدالرحمن حسن في الجمعة أكتوبر 21, 2011 2:37 pm

(4) نظرات في سلفية الإلحاد

عاد أبو الإلحاد من عمله وهو يفكر في مقالة جديدة يدبجها, ثم يضعها لبنة في بناء "التنوير" الذي لا يفهم معناه خفافيش الظلام. تفكر في تراجع القيم الإنسانية البحتة لحساب القيم البالية الموروثة. تفكر في عودة "الميتافيزيقا" إلى عالم يحلم رواده باستيطان المريخ. عجبا لهؤلاء المتعلقين بالأوهام, كيف يصدقون المحال؟ كيف يسلمون عقولهم للخرافة؟ تصور "الميتافيزيقا" امرأة ذميمة تركب حصانا بلا سرج تغير على الأميين وأنصاف المتعلمين لتسلبهم "الفكر الحر" و"الشك المنهجي". توقف عند هذه النقطة قليلا وتساءل: هل صحيح أن خصوم "التنوير" وحدهم يصدرون عن فكر موورث؟ هل غيرهم بريء من التقليد؟ "المتنورون" يدعون التحرر والاستقلال الفكري, فهل تصمد هذه الدعوى أمام النقد؟ وهل تسلم من الاعتراضات نفسها التي يرمون بها خصومهم؟ أحس بأن تفكيره يقوده في وجهة طالما هرب منها. دعته غريزة حب البقاء "الداروينية" إلى توخي الحذر. خشي على إلحاده أن يتدنس بشوائب "الهرطقة الدينية". أحس باقترابه من مأزق. هم بالنكوص, لكنه تذكر تشدقه الممجوج بالحرية الفكرية والموضوعية والنقد الذاتي فأصر على أن يمضي خلف تأملاته إلى آخر الطريق, مهما كلفه الأمر.

حينها شغل حاسوبه وافتتح صفحة جديدة. بدأ يكتب مقالته: " إسهاما في جهود "التنوير" التي يقودها جنود مجاهيل في العالم الافتراضي, وإتماما لسلسلة مقالاتي السابقة الموسومة ب"نقد الفكر الديني من منظور لاديني" أعرض اليوم لأكبر شعار يحمله رواد "التزمت الديني المعاصر" ألا وهو "السلفية" إنه شعار يصيبني بالسعار, إنه سيف قدّ من كلمات, فماذا يقصد بهذا الشعار أصحابه؟ وسترون أني لن أحيد عن المنهج العلمي في هذا البحث, وأني سأتحرى الموضوعية إلى أبعد حد حتى أصل إلى رؤية واضحة للمسألة المطروحة.

إن الفكر الديني يتهم بأنه يحتكر الحقيقة, ولست أدري من استعمل هذا التعبير "السوقي" أول مرة, لعله بقال أو خضار, وإلا كيف نفسر أن يتهم أحد باحتكار الحقيقة؟ وهل الحقيقة سلعة في دكان؟ طبعا يقصدون أن المتدينين يعتقدون أن ما معهم هو الحق, لكن هل يوجد صاحب فكرة يحسب نفسه على باطل؟ يجب في رأيي المتواضع –أنا أبو الإلحاد- أن نراجع هذه التهمة التي أراها منافية لأصول المنهج العلمي. فلنحتكم جميعا في نقاشنا للمتدينين إلى الموضوعية العلمية, وإلى الحجج العقلية, أما الحقيقة فكل يدعي بها وصلا, وإلا ففيم الخلاف أصلا؟ إذن الفكر الديني يدعي معرفة الحق, فيخالفه الفكر اللاديني فينسب ما معه إلى الحق, لكن ليس هذا موضوعنا, إنما أردت أن أضع مصطلح "السلفية" على طاولة البحث, أو على مشرحة "الأفكار الميتة". حسنا, ماذا لدينا؟ سين و لام و فاء. المعاجم تقول "سلف" أي "تقدم", والسلف أي المتقدمون. أصحاب الفكر الديني إذن يدعون أنهم أتباع لسلف ما. إنهم لا يمتلكون فكرا خاصا بهم أصلا. فكيف يجدون لقولهم صدى في زمان ما بعد الحداثة وفي عصر التكنولوجيا؟ لماذا تنتشر "سلفيتهم" في مجتمعاتنا المتمدنة انتشار النار في الهشيم؟ توقف عن الكتابة وتمعن فيما كتبه للتو: "سلفيتهم" وهل لغيرهم "سلفية"؟ أخذته قشعريرة. هم بإلقاء الموضوع في سلة المهملات, لكنه أصر على الإنسياق وراء حبل أفكاره, فاستأنف الكتابة: "ماذا لو وضعنا فكرنا "اللاديني" "الإلحادي" بدوره على المشرحة؟ دعونا نعامل أنفسنا بما نعامل به الخصم, فصاحب الحق لا يخشى شيئا, والمنهج العلمي لا يحابي أحدا. إذن نحن نرمي "المتدينين" باجترار فكر قديم بال, فدعونا نتأمل فكرنا "التقدمي المتحرر", دعونا ننفذ إلى جذوره, حتى يتبين لنا بالبرهان الساطع أن "سلفية" القوم بدعة في ميزان العلم, وأننا أهل الحداثة والإبداع والإبتكار.

لا شك أن مجتمعاتنا المدنية المعاصرة "بثرة حسناء" في جبين الزمان.. إنها مجتمعات تنزهت عن كل الأديان, وتنكرت للإيمان بالغيب وآمنت بما في الجيب. لكن دعونا نقلب صحائف التاريخ لنفتش عن جذور مذهبنا. هل هو وليد اليوم أم أن له أصلا وسلفا؟ هل كان ثمة من يخالف سلف هؤلاء "المتدينين" في الزمن الغابر ويرد عليهم؟ أم أن العصور القديمة كانت أرضا خصبة لأديانهم لا ينازعهم فيها أحد؟ لا شك أن الفلاسفة عاشوا جنبا إلى جنب مع قساوسة الأديان ورهبانه. لقد كانوا حقا فرسان "التنوير" ربما كان أولئك "سلفنا الصالحين", فأعظم بهم وأكرم بتراثهم, سقراط, أفلاطون, أرسطو... كانوا فلاسفة أنوار غير متدينين, لكن مهلا, إنهم لم يكونوا ملحدين أيضا, لا يصح لنا أن ننسب مذهبنا "الإلحادي الراديكالي" إلى هؤلاء, هذا تدليس, فنحن برآء من تهمة "السلفية" نحن "متنورون أقحاح" إذن.

يبدو الأمر كذلك لولا أن الفلاسفة انبروا للرد على طائفة أخرى ينبغي أن نلقي على فكرها نظرة عابرة. فكلنا نعلم أن السوسفطائين كانوا متحررين من كل حقيقة. لقد كانوا لا يرون لشيء حقيقة البتة. كانوا يرون السواد بياضا والبياض سوادا, والحق باطلا والباطل حقا, لقد تركوا لك فرد أن يرى حقيقته, فلا حقيقة على الحقيقة. لقد كانوا رواد النسبية, نسبية الحقيقة ونسبية المعرفة. هل يعقل أن يكون هؤلاء "سلفنا"؟ قوم ينكرون بداهات العقول؟ إن كثيرا من الفلاسفة يرون الإيمان بعلة أولى لهذا الكون من العلوم الضرورية التي يُشك في عقل من يقدح فيها, أما رواد المذهب السوفسطائي فإنهم لم يعترفوا قط بشيء اسمه "علم ضروري" فلا ضرورة في العلم ولا العلم ضرورة. إنهم حقا عظماء. إنهم فرسان شجعان حطموا كل الثوابت وجعلوا معرفة الحق أمرا موكولا لكل إنسان, فما رآه فهو الحق, وليس له أن ينكر على غيره أبدا. هكذا تقوم المجتمعات المنطلقة المتحررة, تصبح بحرا تعوم فيه ملايين الجزر البشرية بآرائها المتناقضة وأخلاقها المتضاربة. ألا يحق لنا أن نفخر بسلفنا الأولين؟ يا لها من نتيجة غير متوقعة! إن المتدينين كانوا يدلسون علينا باحتكار "السلفية" فإن السلفية كما بينا بالبرهان القاطع أمر مشترك بين أهل كل ملة ومذهب. إننا لم نخترع إلحادنا اختراعا; بل إن له جذورا في الفلسفات والوثنيات القديمة. بل إن كتب المتدينين حوت طرفا من تاريخ "سلفنا". كيفلا فكتبهم "المقدسة" ليست إلا نصوصا موروثة تشهد لمراحل تاريخية منقرضة. إننا إذ نطالع أخبار إبليس ومناظراته "العقلانية" ونتأمل "أقيسته المنطقية"; وحين نتدبر ردود قوم نوح وعاد وفرعون على أنبيائهم, نكاد نلمس إرهاصات نشأة مذهبنا الذي نعتز به اليوم; بل إننا حين ننظر في سير فرعون وأبي جهل نكاد نجزم أن هؤلاء عظماء ذوو مناهج فكرية مصيبة بخسهم "المتدينون" فضلهم. لقد مهدوا لنا طريق الكفر والإلحاد, وأمدونا بإرث "تنويري" عظيم لا نزال نستقي منه حججنا في نقدنا للأديان. هؤلاء آبائي فجيئوني بمثلهم أيها المؤمنون.

وختاما ألخص فكرة هذا البحث قائلا: إن "السلفية" فكرة إنسانية لا يصح أن نتركها للمتزمتين يشنعون بها علينا فيرمونا بالابتداع, فكما أن لهم دينهم فإن لنا لادينيتنا, وكما أن لهم سلفيتهم فإن لنا سلفيتنا. وشتان بين "دين" و"لادين" وشتان بين "سلفية" و"سلفية". وما أبعد البون بين "سلفية النور" و"سلفية الظلام" وشتان بين "سلفية الإيمان " وبين "سلفية الإلحاد ". أعلم أنكم أيها الزملاء قد تختلفون معي, لكني نقضت للتو إحدى أكبر وأعتى آليات الفكر الديني المعاصر, وسلبت "المتزمتين أمضى سلاح يشهرونه في وجوهنا. ختم بهاته الكلمات مقاله, نظر إليه في زهو, وأعاد قراءته مرة أخيرة ثم كتب العنوان: "نظرات في سلفية الإلحاد" ثم ضغط على الزر فأرسله إلى أكبر منتديات "الجرب والجذام". ذهب ليحضر فنجان قهوة و لفافة دخان, ثم تفقد موضوعه فلم يجده. عبثا حاول أن يفهم الذي جرى. بعد دقائق استلم رسالة خاصة من مشرف الموقع. فتحها فإذا فيها: "عزيزي أبا الإلحاد, لقد تم إلغاء اشتراكك. لمزيد من التوضيح يرجى مراسلة المشرف العام."
avatar
حسين عبدالرحمن حسن
عضو متميز
عضو متميز

عدد المساهمات : 191
تاريخ التسجيل : 19/11/2009
العمر : 24

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أبو الالحاد يوميات ملحد افتراضى لمن يحب ان يضيف

مُساهمة من طرف حسين عبدالرحمن حسن في الجمعة أكتوبر 21, 2011 2:39 pm

(5) نحو تنوير النحو

فرغ أبو الإلحاد من مقاله الأسبوعي, رفع فيه مذهبه وخفض مخالفه, وذكر امتعاضه المتفاقم من تعاظم أمواج الفكر الجامد, وحذر من الأخطار المحدقة بالمجتمع المدني, وبين أنها بدأت تنحت في صبر حروف اليقين الديني في بيئة نشأت على الشك المنهجي, وأنها بدأت تصبغ حياة الناس بصبغة البداوة وبألوان ما قبل الحداثة الباهتة. تنهد حسرة على تغير الأحوال. وتعجب من انقلاب الموازين. ثم نشر مقاله في مدونته الكالحة فما لبث أن جاءه تعليق. اعتدل في جلسته فرحا يترقب وبدأ يقرأ: عزيزي أبا الإلحاد, بغض النظر عن مضمون أفكارك إلا أنني بصفتي أستاذا للعربية أخبرك أن قراءة مقالتك اصابتني بالصداع النصفي. إن كلماتك تئن تحت ركام من اللحن والركاكة. خذها مني نصيحة مشفق: لا تنشر بعد شيئا قبل أن المراجعة اللغوية الدقيقة. تحياتي, (فارس الضاد). شعر بالحنق لأن التعليق لم يلق بالا لا إلى تحليله العميق للتحولات التي تكاد تعصف بمكتسبات الحداثة, ولا إلى رؤاه التقدمية الثاقبة التي تعيد الأمل إلى النخبة المتنورة. قال كأنه يحدث نفسه: "لا بد أن هذا المعلق المغرور منهم, لا أكاد أشك في ذلك, فليمت هو ونحوه غيظا. لا يلتفتون إلا إلى القشور. متى يدركون حقائق الأشياء؟" جلس يفكر في علاقة اللغة العربية بتنامي الفكر الديني, فعنت له فكرة سرعان ما استهوته واستحوذت على فكره: لم لا يكون هذا موضوع مقالته التالية: "نحو تنوير النحو"؟ غضب لتذكر التعليق الوقح وتسارعت أنفاسه وغاظه تقريعه على خطئه المتكرر في كتابة الهمزة, فوق السطر أو فوق الألف أو فوق الياء, فلتكن فوق السقف فما الذي يتغير؟ يا لهم من متنطعين! فتح مذكرته ليدون أولى أفكاره, لتكون لبنات لمقالته القادمة.

كتب رؤوس أقلام: "الإلحاد منهج حياة... اللغة رداء الفكر... علوم العربية نشأت تحت قهر الفكر الديني... لا بد من مراجعة الإرث اللغوي في ضوء مذهب التنوير... النحو يرزح تحت ركام القرون المتطاولة... النحو وُضع لتكريس هيمنة الخطاب الديني المنغلق... تأمل جملته هاته فانتبه لهذه العبارة الغريبة: "النحو وُضع..." حك جبهته بقلمه وفغر فاه متفكرا: من وضعه؟.. لماذا نقبل مثل هذا الاسلوب الغامض؟ لماذا ننساق وراء هذا التلبيس؟ ومن أدرانا أن أحدهم وضعه؟ كل ما هنالك أنه هنا كالسيف مصلتا في وجه التحرر والانعتاق الفكري. تأمل تدفق أفكاره وابتسم فبدت أسنان علاها القلح. "وجدتها, وجدتها." لقد عثر لتوه على قلب مقالته الوليدة. شرع يبحث عن الشرايين والأوردة ليضخ إليه بنات أفكاره المتنورة. بدأ يتتبع خيوط فكرته لينسج منها هيكلا لمقالته. النحو الذي يشنع به عليه مخالفوه مرة تلو أخرى ليس منزها عن النقد.. وكيف يكون كذلك؟ إذا كان لا يتورع عن الطعن في القرآن, فكيف يقبل بالنحو دون نقده وتمحيصه ؟ استغرب أنه لم ير الأمر على هذا النحو من قبل. كان يكتب ويجتهد أن يوافق ما قيل له إنه يوافق النحو, وكان يضحي من أجل ذلك بكثير من العبارات المتألقة خيفة اللحن. لا شك أن كثيرا من أفكاره التنويرية العبقرية قد ضاع بسبب الحرص الزائد على اتباع هذا النحو العتيق. ثم هاهي ذي تأملاته تفضي به إلى هذا الكشف العلمي الفريد. هاهو يخرج مناقيشه ليستل هذا الأسلوب اللغوي المتدنس بأوحال الميتافيزيقا. "المبني للمجهول" انظر كيف يسمونه, إنهم لا يريدون لنا أن نقبل بالجهالة فحسب.. بل يريدوننا أن نبني عليها. كم يستخفنا هؤلاء. لكن لن نقبل بتدليسهم بعد اليوم. لا بد من تطبيق الإلحاد على العلوم. فلأبدأ بالعربية. وليكن النحو بداية رحلة الألف فن. قد أموت قبل أن أفلح في تحرير العربية من شوائب الميتافيزيقا ومن رواسب الخرافة. لكن حسبي أن أكون شمعة تضيء لتنير للزملاء المتنورين الطريق. سأنتهي حتما سمادا يغذو الأرض فتنبت حشائش تأكلها البغال والحمير, أو أصير وقودا يدير عجلة الإقتصاد المادي في مجتمع متنور, لكني سأخفف من وطأة الجهل والتزمت بفتوحاتي العلمية, فإن مذهب الظلام لن يدوم طويلا. أنا أوقن يقينا ماديا أن التنوير سينتصر في النهاية.

لكن كيف أستطيع أن أزيح "المبني للمجهول" عن ساحة النحو ريثما أزحزح النحو برمته عن عرشه؟ بحث قليلا فوجد أن أهل العربية يدعونه أيضا: "ما لم يسم فاعله" فتريث قليلا. وقارن الاسمين, ثم حرك رأسه في استغراب وهو يقول: "لا ينقضي عجبي من تدليس القوم: مبني للمجهول أو ما لم يسم فاعله. هذا تدليس بين. إنه استدلال بموطن النزاع. النزاع ليس على جهالة الفاعل, بل على وجوده من عدمه. فلا فرق إذن بين قولهم عن الفاعل أنه مجهول, وقولهم إنه لم يسم" ثم إنه دسوا تدليسهم في التعريف عينه, "لم يُسم" كم يغيظه هذا التعبير. حاول أن يبني جسرا يجمع بين شتات أفكاره فتأمل في أصل مقالة الإلحاد التي يعتز بها ويكررها في نفسه كلما تسربت إليه وساوس الإيمان وكلما قذفته الشبكة الإلكترونية بشبهات الإسلام. حينها يكرر ما غدا مثل الشهادتين في ملته: "لا إله والكون مادة, والمادة لا تفنى ولا تستحدث من العدم." نظر إلى معاني التنوير في الأصل الأعظم لملته, فلم يبصر إلا ظلاما دامسا, لا بد أنه مرهق بسبب الجهد الذي بذله. تفكر في أنه إنما ينكر الخالق لأنه لم يره قط. وينكر الخلق لأنه لم يشهده, فخطر له أن هذا سر ابتداع المتدينين لصيغة "المبني للمجهول" إنهم أسسوا لفكرهم الديني من داخل النحو. اعترف في نفسه بعبقرية النحاة من هذا الوجه. تملكه الإعجاب بروحه العلمية وبإقراره بمكر الخصم وفضله. حاول أن يطبق مبادئ ما تحصل له حتى الساعة من ثمرات مشروعه في تنقية النحو من شوائبه الدينية, فكتب: "لو تركنا هذا الأسلوب الظلامي يعيث الفساد داخل اللغة, فإننا سنرتد مؤمنين يوما ما. كيف؟ إليكم الجواب:

تنشأ في بيئة التقليد على المعتقد الموروث, فتتوهم معانقة الحقيقة وامتلاك اليقين, ثم تهب عليك نسائم التنوير فترتاب وتشك. ثم تنسلخ من الإيمان شيئا فشيئا حتى تبلغ مبلغي من الإلحاد وتجرب تجربتي فيه فتحس بمعنى الحرية من كل دين وخلق, فتقول: أنا لم أر لا الخلق ولا الخالق, إذن النتيجة المنطقية التي يمليها عليك التنوير المادي الذي يكفر بكل ما غاب عن الحس: "لا خلق ولا خالق" ومن جادلك فقل له هات برهانا علميا واحدا على دعواك. حينها تكون قد قطعت أشواطا من رحلة التنوير تكل عنها أبصار المتدينين, وتكون قد ذقت مذاق الإلحاد الذي لا يدركه الوصف, إنما يعرفه من ذاقه, ومن ذاق فقد عرف. لكن انتبه, إذا كنت ممن يصدقون بن آجروم وبن مالك وأضرابهما, فإنك توشك أن ترتد على عقبيك, خصوصا إذا بلغت إلى باب [باب المفعول الذي لم يسم فاعله: وهو الاسم المرفوع الذي لم يُذكر معه فاعله، فاِن كان الفعل ماضيا ضُمَّ أوله وكُسر ما قبل آخره، واِن كان مضارعا ضُمَّ أوله وفُتِحَ ما قبل آخره.] قرأ هذه الفقرة من الآجرومية ثم تساءل: كيف ندع أمثال هؤلاء يستخفوننا بالنحو على هذا النحو؟ انظر كيف يقول: يُذكر... ضُمَّ... فُتح... لو غفلت عن الخطر الذي أتخوفه عليك فإنك ستقول يوما ما في لحظة ضعف: لحظة بدء الحياة في هذا الكون مجهولة والذي جرى في الأزل كله مجهول, إذن تطبيقا لمبادئ النحو قد نقول تجوزا: "ابتدئ الكون... أو أنشئ الكون... أو خُلق الكون..." طبعا سيستعمل الملحد المتنور ذلك كله من باب المجاز. استطرد في أفكاره: "المجاز يصلح ليكون حلقة أخرى من سلسلة تنوير النحو" انتهى الاستطراد. ثم يرتفع الملحد على هذا النحو درجة درجة ليبلغ سقف الوهم الذي نصبه له النحاة في مكر, فيقول: "حسنا: خُلق الكون. هذا مبني للمجهول ولم يسم فاعله, إذن أنا أقر من ناحية لغوية نحوية بحتة بالجهل بالخالق, كما أقر -دائما من داخل النحو- بوجوده. فلا يبقى بعد إلا أن يتعرض من مر بهذه المراحل أو بعضها إلى هزة عاطفية كأن يموت له قريب, أو يجتاز محنة نفسية فتغلبه رواسب التدين الموروث فينتكس مرة أخرى إلى التفكير الجدي في ارتداء ثياب الإيمان, وهكذا تكتمل خيوط الفخ المحكم الذي نصبه النحاة لمن لم يؤت فهما ثاقبا كفهمي, ولم يعرف مثل معرفتي, فتتحقق على أيدي أولئك الخصوم الأفذاذ نهاية جهود التنوير.

ستسألونني حتما: وكيف نخرج من هذا الإشكال؟ فأقول -أنا أبو الإلحاد-: لا يجبرنا شيء أن نؤمن بالمحال ولا أن نتعلق بالأوهام. لذا أقترح من يوم المتنورين هذا, أن نعدل عن هذا الأسلوب المحفوف بالأخطار "الميتافيزيقية" والمتلبس بالعقائد الغيبية إلى أسلوب متحرر من ذلك كله, فنسمي ما لم نشهد له فاعلا: "المنفعل" فنستعمل مثلا: بدل "بُني": "انبنى" وبدل "فُعل": "انفعل" وبدل "ضُمّ": "انضمَّ" وهكذا... فلا نقول: "ضُرب زيد" بل نقول: "انضرب زيد" ولا نقول: "قيست المسافة." بل: "انقاست." ولا نقول: "طُرح في سلة المهملات" بل نقول: "انطرح فيها" وهكذا دواليك حتى نؤسس لصيغة "المنفعل" التي ستزيح البساط من تحت أقدام النحاة ومبنيهم للمجهول. ولو أخذنا مثالا من درس التاريخ, فلا ينبغي أبدا أن نقول "بنيت صخور (ستون هنج) في إنجلترا." بل نقول إنها: "انبنت." ولو شنع علينا متدين واعترض باستحالة هذا المعنى, فنجيبه بإمكانية تضافر عوامل مادية طبيعية متعددة عبر بلايين السنين ونؤيد نظرياتنا المتعددة حول الموضوع بحساب احتمالات الصدفة الدقيقة حيث الأرقام الفلكية التي لا تفصل أصفارها عن يمين وشمال إلا فاصلة. نعم إنها مقادير أخف من هباء وأوهى من هواء, لكن الإيمان بها يجعل الإيمان بالغيب بلا فائدة. لا تهم الوسائل, المهم هو نسف العقائد الغيبية التي استوطنت بنيان النحو العربي. حينها دخلت أم الإلحاد الغرفة وسألت بعلها: "عزيزي لحّود, أريد أن أكتب رسالة تهنئة لحليمة بمناسبة نجاح ابنها, فماذا يقال في هذا المناسبة؟" أغلق مذكرته ونظر إليها وهم بالجواب.. ثم تريث لحظة وقال: "ينقال: ألف ألف مبروك." نظرت إليه في استغراب ثم انصرفت دون أن تنطق بكلمة.
avatar
حسين عبدالرحمن حسن
عضو متميز
عضو متميز

عدد المساهمات : 191
تاريخ التسجيل : 19/11/2009
العمر : 24

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أبو الالحاد يوميات ملحد افتراضى لمن يحب ان يضيف

مُساهمة من طرف حسين عبدالرحمن حسن في الجمعة أكتوبر 21, 2011 2:40 pm

(6) تطهير العلم من الإيمان

دخل أبو الإلحاد إلى مدونة أبي سليمان يتصفح آخر مقالاته, لكن شيئا ما أسفل الصفحة استوقفه. نظر إلى التوقيع مليا فأعياه فهم معناه: "من افترض اقترض..." تأمل الكلمات ونقط الحذف. تملكه الفضول. هل هي مجرد زخرفة لفظية تتراقص فيها الحروف المتشابهة؟ لا أظن فالكاتب من عتاة الموحدين لا ريب, لكنه نبيه لبيب. أخفى وجهه بين كفيه وردد الكلمات مرارا "من افترض اقترض..." كأنه يستجدي تفسيرا ما, أي تفسير. إنه ملحد لكنه محب للعلم واسع الفضول, لذا يتسلل بين الفينة والأخرى إلى هذا المكان ليقتنص بعض الفوائد التي قلما يجد لها نظيرا في منتديات "الجرب والجذام".

طالما تنبه بفضل مقالات أبي سليمان إلى إشكالات عميقة تستحث فكره ونظره, وإن كانت تكاد تعصف بملته الإلحادية. فكان يذهب بها لحسن حظه –فيما يحسب- إلى زملائه فيطرحها عليهم متندرا ويقول: "انظروا بم يرمينا الظلاميون!". فينهال عليه سيل من الشتائم المقذعة تعلوه ردود كأنها زبد, فكان يلتقط تلك الردود المتناثرة فوق ركام الكلام البذيء يتبلغ بها ليخفف حدة الإشكالات في عقله وليرمم شيئا من بنيان دينه الخرب, فيقنع بذلك مستبشرا مسرورا ويؤجل محو تلك الشبهات من رأسه إلى حين. كان يصبر على الهزيمة على مضض, ويمني نفسه بيوم تعلو فيه راية الفكر المادي فوق الصوامع والمعابد. إنه يحيا على أمل ذلك اليوم الذي تسقط فيه حجج الموحدين جملة. يوم يأتيهم العلم بجواب كل سؤال يشهرونه اليوم في وجه حزب التنوير. ضبط نفسه مرة أخرى متلبسا بعين ما يرمي به خصومه. أليس تعليقه لأمله على الغد المجهول إيمانا بالغيب؟ يذكر أنه قضى ليلة يفكر في حل هذا الإشكال الخطير, فخرج بمصطلح ضمنه عصارة جوابه عنه: "الغيب العلمي" يومها سطر رؤوس أقلام يراها فرقانا بين "الغيب الديني الأسطوري" و"الغيب العلمي التكنلوجي" وكان مما استشهد به على اصطلاحه الوليد أن "الغيب العلمي" يحمل في طياته إرهاصات الكشف عن عوالم فضائية تعج بمجتمعات ذكية من الكائنات المتطورة, ولا يستبعد أن تكون لتلك المخلوقات الخضراء ملكات خارقة قياسا إلى عالمنا, لكن هذا لا يقارن أبدا بما يقرره "الغيب الديني" من وجود مخلوقات ملائكية نورانية لا تأكل ولا تشرب, فشتان بين سكان المريخ وسكان السماء. أولئك عالم بدأ العلم يقفو آثاره ويكشف أستاره. وهؤلاء وهم سيعجل العلم اندثاره. والمريخ كوكب مادي أحمر قان, والسماء تعبير ديني أسطوري. وشتان بين غيب وغيب, إنما هو اشتراك لفظي بحت, فالقدر المشترك هو كلمة "غيب" والفارق تلخصه الهوة السحيقة التي تفصل "اللادين" عن "الدين".. تأمل كلمة "المخلوقات الخضراء" تساءل: من أين عرف أنها خضراء؟ حك خيشومه بظفر خنصره متفكرا. لم يجد جوابا, لكنه رجح أن للون تفسيرا ما في نظرية "الغيب العلمي". فجأة قفزت صورة إلى مخيلته: صورة مخلوق غريب قصير عظيم الرأس أصلع له جسم بين الإنسان والصرصار, يكاد ينوء بحمل تلك الرأس الضخمة, وله عينان كأنهما مصابيح نوع نفيس من السيارات الرياضية الإيطالية, نعم إنه أخضر اللون كأنه أحد أنواع الطحالب اليابانية التي تنتهي رحلتها على أطباق بيضاء في عناق أخير مع جاراتها من فواكه البحر ملفوفة بالأرز الأبيض: "سوشي". آه الآن تذكر من أين تسلل اللون الأخضر اليانع إلى تصوره للكائنات الفضائية التي اتخذها مثالا حيا لنظريته عن "الغيب العلمي" أم أنه "الخيال العلمي"؟ لا يهم, فليركز على مشكلته الراهنة الآن. لقد تذكر الآن منشأ الخضرة, لقد استورد الصورة برمتها من سلسلة رسوم متحركة يابانية. تذكر ذلك كله وهو يحملق في التوقيع المحير: "من افترض اقترض..."

هم بتجاهل الأمر حين حدثته نفسه: "لا بد أنك توشك أن تحرم نفسك فائدة. اسأل فلن تخسر شيئا. ثم إنها فرصة لتكتب تعليقا لاذعا حول هذا التوقيع الغريب دون أن تنجر إلى النقاشات الجوهرية التي يحفل بها المقال نفسه."

لم يتمالك نفسه فبدأ بالكتابة: "عزيزي أبا سليمان, كيف يكون توقيع أستاذ مثقف مثلك بهذه السطحية؟ لم أكن أحسب أنك مغرم بالسجع؟ أبو الإلحاد ". لما عاد في المساء وجد الجواب التالي: "عزيزي أبا الإلحاد, شكرا على زيارتك, وعلى اهتمامك بتوقيعي: "من افترض اقترض..." إنه يتضمن إشكالا هادما للإلحاد بل للفكر المادي عامة, فالفكر البشري لا تقوم له قائمة إلا إذا انبنى على افتراضات ومسلمات غير قابلة للبرهنة. إنها أشبه بالحبل السري الذي نمده بين جهلنا وبين ما نسعى لمعرفته. إنها أفكار نؤمن بها ولن نستطيع أبدا أن نخضعها للتجربة. هل انتبهت يا عزيزي: "نؤمن بها"؟ فمن افترض من الملاحدة فقد اقترض, أي أنه اقترض من قاموس أهل الإيمان. إذن العلم يحتاج إلى إيمان والفكر يحتاج إلى إيمان والأغرب من هذا كله أن الإلحاد نفسه يحتاج إلى الإيمان أي أنه يحتاج إلى نقيضه. فهل يعني هذا أن الإلحاد مجرد رد فعل سلبي على فعل إيجابي محرك ومؤثر يدعى الإيمان؟ فالمفترض إذن مقترض والمقترض مفتقر إلى من يقترض منه. الاقتراض استعارة والمستعير لا يملك العارية. بل لصاحبها أن يستردها متى شاء. فتوقيعي يقول لبني الإلحاد: "ردوا ما استعرتم, انقضوا ما بنيتم, فبنيانكم مغشوش وليس خالصا. أزيحوا عنه أساسه الغيبي حتى تبنوا بنيانا ماديا صرفا." لا بد أن هذا كله يلزمكم فمن اقترض من أحد أصبح عليه عالة. مثلا يفترض الملحد أن الكون لم يزل ههنا وأن لا خالق له, فهذا الفرض إيمان ما عليه من برهان, فضلا عن أنه قرض من معسكر الإيمان, فيبدأ بنائه الإلحادي بهذه اللبنة المستعارة, فهو كمن يبني في الهواء. جرب أن تضع زملائك الأعزاء أمام هذا اللغز, صدقني لن يحيروا جوابا, أنْبَهُهُم سيقول: أنتم تؤمنون بالخرافات ابتداء, أما نحن فنتسلق في درجات العلم درجة درجة. والرد عليه ميسور: يا عزيزي ما شأنك بنا؟ هذا ديننا, الإشكال يتوجه إليك أنت يا من تنكر الإيمان ولا تؤمن إلا بالمادة المحسوسة, فأين المادة في افتراضات لا برهان عليها؟ أرأيت إن كانت خاطئة؟ منهجك إذن كله خاطئ تبعا لها. أما نحن فإيماننا ليس افتراضا. إذ أنا لم نقترضه من أحد. بل إن دليله وحي ثبت بالبرهان القاطع أنه كلام خالق البشر لهداية البشر. إذن بنياننا متين وأساسه أمتن. بنيان ديننا نقل معصوم صحيح شهد له عقل صريح مفهوم. فلا افتراض فيه ولا اقتراض. ولا شك فيه ولا اعتراض. ولا افتقار إلا لمن شهدت له الأفلاك والأملاك بالذل والافتقار. وبينانكم خواء وأساسه هواء. هل فهمت الآن يا عزيزي معنى قولي: من افترض اقترض ومن اقترض افتقر ؟ وختاما أضرب لك مثالا من هذه المحاورة اللطيفة بيننا التي سعدت بها كثيرا: أنت قرأت التوقيع فلبثت متحيرا تتساءل: أي توقيع هذا؟ ثم اجتهدت أن تخرج من شرنقة الجهل بهذه الجزئية التافهة, فلم تجد لذلك سبيلا, فكنت بين أمرين: إما أن تبقى على جهلك وإما أن تسأل؟ فلم تقنع بأن تسأل بل أبيت إلا أن تتهكم, فوقعت في عين ما يرمز إليه التوقيع: لقد افترضت فاقترضت فافتقرت فنسفت حظيرة الإلحاد بافتراضك الخاطئ, فوقع طوبها وطينها وروثها على أم رأسك. لقد افترضت أن التوقيع توقيع حروف لا معنى لها وتشقيق كلمات لا حقيقة ورائها. ثم نثرت على ذلك "بهار" الأدب الإلحادي فقلت "يا عزيزي" و"بهار" التهكم برميك لي بالسطحية وتكلف السجع ثم ختمت بنيانك الافتراضي ببسمة إلكترونية صفراء, أما وقد جاءك الخبر اليقين عاليا, فقد رأيت بأم عينك أن بنيانك سراب سرعان ما تلاشى من ذهنك, وأن الافتراض سم قاتل يسري في أحشاء فكرك المادي ويوشك أن يذهب بريحه, فأنصحك أن تدرك نفسك وأن تتوب مما تدنست به, فأدرك بنيان إلحادك فخلخله ثم فككه وفتته وخلصه مما علق به من شوائب ليست منه, ثم غربله واحفظه في مكان لا تصل إليه أيادي الأطفال حتى تصبح ذات يوم خريف عاصف, فاقصد به مكانا خاليا فاجعله في مهب الريح لترى كم هو متين دينك وفكرك, حتى إذا لم تبق منه الريح العاتية باقية فاعلم أنها ريح شرقية مباركة تدمر كل فكرة واهية (...) أحس أبو الإلحاد بمهانته ولم يقو على إتمام القراءة, فأغلق الصفحة ورأسه تكاد تغلي وعيناه تؤلمانه كأن كلمات هذا الهجّاء الماكر إبر تساقطت عليه كالنبال. أحس بوخزها في كل مكان من نفسه. أجهش بالبكاء. فقد صار منبوذا لا منتدى له في الشبكة يؤويه وقد قلاه زملاؤه المتنورون, فماذا بقي له ؟ ضاق عليه العالم الإلكتروني بما رحب, وأحس ألا ملجأ له إلا العالم الأرضي وعالمه الداخلي. لكنه فضل الانطواء على نفسه, إذ ليس من معارفه من يستطيع أن ينقذه من ورطته وأن يرقع ثوب إلحاده الذي غدا بعد هذه المعركة الكلامية التي سعى إليها بظلفه كالخيش العتيق.

أخرج مذكرته. طالع لائحة الفروق بين "الغيب العلمي" و"الغيب الديني" كتب في هامشها: "الافتراض اقتراض والاقتراض افتقار." حاول أن يطبق نظريته لحل هذا الإشكال القاتل. عبثا حاول. إنها محنة عويصة, إذ لا يتعلق الأمر بتطبيقات على جزئيات المسائل, بل بدعامة الدعامات وأصل الأصول. هل يعني اقتراض افتراضات إيمانية ومسلمات تسليمية أن الإلحاد ملة وعقيدة؟ دين وإيمان؟ حرك رأسه مستنكرا. ورفع كفه كمن يدافع شيئا, ثم انتفض كالفرخ المبتل. هم بالدخول على رفقاء "الجرب والجذام" ثم نكص حين تذكر أنه مطرود. لا بد أن يزيل هذه الشبهة التي بدأت تفعل فعل السم في عقله. لا بد أن يبدأ مشروعا جديدا. يبدو أنه مشروع عمره: مشروع "تطهير العلم من الإيمان" حمل قلمه ساعة وهو يحدق في الصفحة الخالية, فلم يسعفه فكره بكلمة منقذة. يبدو أن شيطانه قد هجره كما هجره صناديد ملاحدة الشبكة. تمتم :"من افترض اقترض.. ومن اقترض افتقر.." ثم مزق أوراقه في غضب وخرج من بيته مسرعا لعل هواء المساء يخفف عنه بعضا مما أصابه.
avatar
حسين عبدالرحمن حسن
عضو متميز
عضو متميز

عدد المساهمات : 191
تاريخ التسجيل : 19/11/2009
العمر : 24

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أبو الالحاد يوميات ملحد افتراضى لمن يحب ان يضيف

مُساهمة من طرف حسين عبدالرحمن حسن في الجمعة أكتوبر 21, 2011 2:41 pm

(7) بين الإلحاد الافتراضي والأرضي

قرأ أبو الإلحاد الإعلان بإمعان, كادت عيناه تقفزان من محجريهما, انفرجت أساريره فرحا, كاد يطير لهذه البشرى طربا و سال لعابه للثمرات التنويرية الدانية التي بدأت تشرق في مخيلته المهترئة: "إلحاد "كونغرس".. معا يدا واحدة ضد الأديان." دعوة إلى المؤتمر السنوي الأول لملاحدة الشبكة العرب". كانت صورة قبضة حديدية تكسر جدارا عليه رموز دينية تُظلل هذا الشعار القوي, وفي الخلفية أشباح بشر وحيوانات. بدأ يحدث نفسه: " قد فعلها الزملاء, العفاريت فعلوها! إنهم على وشك نقل معركة التنوير الإلحادي من العالم الافتراضي إلى العالم الأرضي." تأمل الإعلان فلم ير ألوانا خلا الأبيض والأسود. تساءل: "عجبا, لماذا لم يفطنوا إلى قيمة البعد الجمالي؟ هل فاتهم أن الخصوم يدعوننا بخفافيش الظلام؟ هل نسوا أنهم يعيّروننا بالنازية والفاشية؟ لو كان لي من الأمر شيء لجعلت الإعلان روضة زاهية تتراقص فيها ألوان الطيف. لا أفهم لماذا جعلوه بألوان إخواننا من عبدة الشيطان؟" أتمنى ألا يكون المؤتمر تحت إشرافهم, فأنا لا أطيق رموزهم الغريبة وطقوسهم المريبة. أذكر آخر مرة لقيت فيها أحدهم في القطار في إحدى بلدان الشمال المتنور. كان منظره أشبه بليل الشتاء الأوربي المظلم وبدا ثوبه كجلد حمار وحشي, بل إن جلده كان مزركشا كالهر البري إذ وَشَم كل بقعة فيه إلا لسانه. ولعل ذلك أعياه فجعل فيه حلقة كالخلخال لو جعلت في قدم فتاة لناءت به. كان منظره كريها مخيفا, ويا ليته صمت, بل كانت شهوته للكلام أكبر من شهوتي للقفز من النافذة كيلا أرى طلعته الذميمة. نظر إلي وقال بلغته: "آراب.. آراب؟" فأومأت له أن نعم.. فعاد يسأل: "مسلم.. مسلم؟" فحركت رأسي أن لا. عندها قهقه بصوت عال فاهتزت الحلقات حول عينيه وفي أنفه وأذنيه.. المجنون لم يصدقني: "أوف كورس يو آر" ارتعبت لمنظره الخبيث حتى كدت أصدق خرافات الجن والشياطين, ثم بدأ يتكلم ساعة عن العرب والأجانب والموسيقى والتسامح. كانت حصة تعذيب صينية تقرع فيها كلماته أذني, ممزوجة بقرع الحلقة في لسانه لحافات أضراسه وأسنانه.. لو كان هذا المؤتمر تحت مظلة الزملاء الشياطين فوا حسرة على مستقبل التنوير!" تأمل الشعار مرة أخيرة ثم أرسل رسالة إلكترونية يطلب إلقاء كلمة أمام المؤتمرين وقع في نفسه أن يسميها: "من الإلحاد الافتراضي إلى الأرضي", وسرعان ما جاءه الرد بالإيجاب. بدأ يكتب كلمته, ثم ارتأى أن يرتجلها في حينها حسبما يراه موافقا للحال. بقي أسبوع ليهيئ أفكاره.

ثم جاء اليوم الموعود. استيقظ أبو الإلحاد من نوم متقطع راودته فيه الأحلام و الأماني بقضاء يوم مشهود يلتقي فيه برفاق "الجرب والجذام" ليخطوا معا خطوة جبارة إلى الأمام. لن يدعوهم أحد بعد اليوم بمجاهيل الشبكة. إنهم سيأتون ورؤوسهم مرفوعة في عناد وعقولهم مفعمة بيقين الإلحاد. قطع طريقه وهو يتمرن على كلمته, يقدم ويؤخر, ويحلل ويفكر, يتخير الكلمات والنبرات والحركات المناسبة, حتى وقف بباب فندق "المريخ جاردن سيتي".. تفكر في اسم المكان: "اختيار موفق يحمل رسالة عميقة. يبدو أن الزملاء درسوا أمر هذا اللقاء التاريخي من كل الوجوه. المريخ, ولِم لا؟ فلو ضيق علينا المتدينون الخناق أكثر قليلا, فلربما حجزنا مع الزملاء تذكرة ذهاب بلا إياب إلى الكوكب الأحمر حتى نستريح من خرافاتهم." وجد بعض الزملاء في الإستقبال. سأله أحدهم عن بطاقة تعريفه, فلما رأى اسمه قال: "هل معك دعوة؟" قال: "دعوة؟ لا أنا أبو الإلحاد, سألقي كلمة." رد عليه قائلا: "ليس عندنا أحد بهذا الاسم على لائحة المحاضرين". ظن أبو الإلحاد أن في الأمر خطأ فبادر بالسؤال: "كيف؟ لقد تم قبول مشاركتي, حصلت على رسالة إلكترونية." أجابه الشاب: "نعم نعم, لكن تم إخطارنا ببعض التحفظات على سيرتك الذاتية. لذا تم شطبك من لائحة المحاضرين. قل لي أما زلت ملحدا؟؟" أجابه ممتعضا: "طبعا.. طبعا.. هل هذا سؤال؟ إنني..." قاطعه في هدوء: "معذرة لكنا اطلعنا على بعض مقالاتك المنشورة أيها الزميل, فوجدنا أنها تنم عن انتكاسة فكرية خطيرة. طيب قد نسمح لك بالدخول, بشرط أن تثبت لنا أنك ملحد" كاد شعر رأسه يقف من هذا التحقيق الذي لم يعهد له مثيلا إلا في منتديات المتدينين فقال مستنكرا: "أثبت ماذا؟ وكيف؟ أنا أقول وأقر وأشهد أني ملحد. "لا إله والكون مادة, والمادة لا تفنى ولا تستحدث من العدم" هل تريدني أن أستظهر لك كتاب أصل الأنواع حتى تصدقني؟" قال الشاب وهو يحرك رأسه: "أنا آسف لكن هذا لا يكفي. هذا كلام في الهواء أيها الزميل: " البينة على من ادعى" هات بينة, أو ارجع من حيث أتيت." لم يصدق أذنيه." "إنه يحمل على كاهله عشرين سنة من النضال التنويري الإلحادي, منها عشرة كاملة قضاها وهو متعلق كالذباب بخيوط الشبكة العنكبوتية. لقد بدأ تعب السنين يدب إلى مفاصل عظامه, بل إنه أصبح يقضي بعض الوقت أمام المرآة لنتف البياض المتسلل إلى رأسه, ثم يأتي هذا الصبي المغرور ليشكك في صفاء إلحاده. قال بنبرة الواثق متحديا: "أيها الزميل, ابتعد من طريقي.. فلا بد أن أدخل" فحال الرجل بينه وبين باب القاعة وقال في حزم:" لا تتعب نفسك, عندي أوامر صارمة" حينها تملكه اليأس وتذكر طبقة المنبوذين الهنود, وتساءل هل يتجه الملحد العربي إلى نفس مصيرهم. أطرق كأنه يبصر حضيض مهانته, ثم سمع صوتا معروفا يناديه: "لحود, أنت هنا يا عزيزي؟ .. ياه مضى زمان طويل" إنه الأستاذ عرقوب مدير تحرير مجلة "زهر العلقم" أخذ بيده فدخلا إلى قاعة المؤتمر كأن شيئا لم يكن.

رأى ثمة منظرا عجيبا غريبا. رأى بضع عشرات من الشباب والكهول يجلسون متفرقين هنا وهناك تلفهم سحابة داكنة من الدخان, ورأى الصفوف الأمامية خاوية, ورأى المنصة وقد سلطت عليها الأضواء الكاشفة, ثم رأى بشرا ونسانيس وكلابا وقططا. بل رأى جحشا أبيض وبغلا أحمر. كان الجميع يلبسون الثياب, حتى الدواب! حك عينيه وظن أنه أخطأ العنوان. هل هذا مؤتمر نضال وتنوير أم سوق للبغال والحمير؟ رفع بصره فقرأ لافتة المؤتمر كما رآها في الإعلان أول مرة, جلس وحيدا, إذ انشغل عنه عرقوب باتصال هاتفي دام حوالي الساعة. بعدها التفت إليه مستفسرا عن كل ما أشكل عليه من هذه الغرائب, فأجابه عرقوب متبسما: "عزيزي هذا مؤتمر تأسيسي, يجمع كل أطياف المشهد الإلحادي. لا بد أن نقبل بعضنا بعضا مهما اختلفنا. الصفوف الأمامية محجوزة لبعض الزوار المهمين, أما ذوات الأربع فإنها في رفقة زملائنا في جمعية: "من أجل ديمقراطية كونية" وهم يدعون إلى تقريب الهوة بين الكائنات المتقاربة جينيا, فالفوارق بيننا وبين هؤلاء "الزملاء المتخلفين داروينيا" ضيئلة نسبيا. بيننا وبين "الشيمانزي مثلا كروموزومان فقط! تصور.. ربما يتشاور الزملاء حول أوجه الترجيح بين نظريتين تقودهما مدرستان رائدتان اليوم; إحداهما تهيئ مناهج "تطويرية تأطيرية" للنسانيس لتحفيز قابليتها التطورية.. والأخرى تركز على إرسال رسائل مشفرة لطلب المشورة من الكائنات الفضائية. نعم لو استطعنا أن نضيف للفئران ستة كروموزومات فحسب, فربما ضممناها إلينا في المؤتمر التالي. زملاؤنا الديمقراطيون الكونيون أو "الديموكونيون" -كما يحبون أن نسميهم- لهم رسالة واضحة: "إننا مدعوون جميعا لتسريع وتيرة البحث العلمي حتى ندفع عجلة التطور قدما." في آخر مقال لها نشر على صفحات مجلتي الغراء تذكر الدكتورة أحلام الشحرور إحصائية حديثة تقول: "لو استطعنا تطوير عشرين بالمائة فقط من شعب "الشيمبانزي" الذي يعيش في الشتات حاليا فإنهم سيكونون دعما كبيرا للحركة التنويرية الكونية; حيث سندخلهم دورات تعليمية مكثفة يتولى تأطيرها كبار المختصين في بيداغوجيا الإلحاد. رسالتنا باختصار هي إذابة الفوارق الوهمية التي اختلقتها القوى الرجعية بيننا وبين إخواننا في سلسلة التطور الذين نشترك معهم في سلف مشترك." التفت الأستاذ عرقوب إلى الصف الحيواني وقال: "انظر إلى سيد "أوران غوتان" صاحب ربطة العنق البرتقالية.. أليس وسيما؟ لكن انظر إلى الحزن يملأ عينيه. لا أشك في أن الأمل يحدوه في نجاح هذه الجهود التطويرية النبيلة. أما عن الثياب, فإن الزملاء يرون أن كسوة "زملاء التطور" خطوة في الطريق الصحيح; حيث أعطت بعد عام نتائج مهمة; منها أن شعر "الكلاب التي لبست الثياب" بدأ يتساقط. يا له من تطور ملحوظ!" حين بلغ هذا الموضع من كلامه بدأت أشغال المؤتمر بإنشاد مقطوعة غنائية ما أن بدأت حتى انخرطت الكلاب في عواء. إنه يعرف هذه الكلمات, إنها فصول من: "هكذا تكلم زرادشت" نظمها شاعر الإلحاد المبدع "أبو المجامر". استمع إلى الترانيم يرافقها النهيق والمواء والعواء, فكاد أن يغلبه البكاء -من فرط التأثر- لولا أنه تجلد.

انتهت الافتتاحية الفنية ثم دخل الضيوف المميزون. يتقدمهم عميد ملاحدة الشبكة بلحمه وشحمه الزميل شقيق بن آوى. لقد افتتح وحده مائة صفحة "فيسبوك" وعشرين قناة "يوتيوب" وخمسة منتديات. الزميل يحتفظ في جعبته بمئات المعرفات, إنه يكتب المقال, ثم يعلق عليه, ويمدح نفسه, ثم يعود بمعرف آخر فيشتمها, وهكذا دواليك... إن الزميل يتحرك في الفضاء الإلكتروني وحيدا كالفارس المغوار, فيحسبه الخصوم جيشا عرمرما. أخذ الجميع مقاعدهم, للأسف لم يتمكن أكبر المدعوين من الحضور. إنه إمام الإلحاد العالمي البروفيسور الذي لم يستطع حفظ اسمه قط. كل ما يعرفه أنه يسكن جزيرة نائية يلفها الضباب. إنه ملحد متمرس إذا سئل عن الدين صار كالذئب الشرس. ما أحوج الزملاء إلى التتلمذ عليه. بعضهم يدعوه بالقسيس لسعة إلحاده. لكم كان يود أن يلقاه هنا ليسأله عن تفاصيل نظريته عن الأصول الفضائية للحضارة الإنسانية وأوجه الجمع بينها وبين النظرية النسناسية لسلفه دارون. هذا إشكال آخر يصيبه بالصداع ولم يجد له بعد جوابا شافيا على الشبكة. حسنا سيؤجل النظر في هذه المعضلة ريثما يتشرف بلقاء ملحد موسوعي من طينة "دونكي" أظنه اسمه هكذا. لكن أليس هذا اسم حمار في لغة تلك الجزيرة؟ لا يهم إنه مجرد اشتراك لفظي آخر, ثم ما المانع من أن يستعير ملحد الأسماء الحيوانية وأن يتقلد الأوسمة البهيمية؟ لا مانع أبدا بل إن نظرة إلى أعضاء المؤتمر يلمس التمازج الأخوي الدارويني بين أبناء "الخلية الواحدة" التي نشأت يوما ما صدفة –كما هي نظرية الإلحاد- ثم ألقت الملخوقات الفضائية عليها برنامجا ذكيا أسماه العلماء بعد اكتشافه "دي إن إيه". فلماذا لا يدعى البروفيسور "دونكي" أو البروفيسور "حمار" لا أظنه يمانع أبدا. لكن ربما يمانع الحمار, لا إشكال أيضا, حين يتطور ويستطيع الاعتراض نسمع رأيه. لا بد أن نتحلى بالتسامح في هذه الظروف العصيبة ريثما تتحقق الديمقراطية الكونية التي تنصهر فيها الجراثيم والحشرات والبشر والحيات في بوتقة واحدة فتزول عن الإنسان نظرة الإستعلاء ويخلع عنه أوهام الكرامة والتفرد التي هي آخر الرواسب الدينية.

بدأ الزميل من حركة "الديمقراطية الكونية" كلمته, وأرادها أن تبدأ بشيء طريف يلطف الجو المفعم برائحة الدخان وروث الدواب, فوضع طائر ببغاء على الطاولة أمامه وأشار إليه بإشارة يعرفها فانطلق الببغاء صارخا: "النجدة ملحد.. ملحد.. النجدة النجدة.. لص لص!!" فأشار إليه يسكته فلم يسكت فانفجرت القاعة بالضحك فقال معتذرا: "إنما لقنته أن يقول: "أنا ملحد" فإذا بالأمر يختلط عليه فلفق كلمات أخرى تعلمها" كان يتكلم والببغاء لا يكف عن الصراخ, ولم يستطع أن يتم كلمته, فانصرف إلى مكانه في الصف الأول معتذرا. جاء بعده ممثل "النهضة العلمية اللاأدرية" فلما أخذ مكانه صرخ به الببغاء مرة أخرى: "ملحد ملحد النجدة..." فقام المنظمون باصطحاب الضيف المزعج خارج القاعة. حين بدأ الزميل في إلقاء كلمته: طرح عشرين سؤالا, ثم قال: من قال "لا أدري" فقد برئ وأنصف, وأنا لا أدري شيئا فأترك الأسئلة مفتوحة للتصويت العام ثم نزل من المنصة. شعر أبو الإلحاد بضآلة الزملاء وتساءل أين تلك العروض العلمية الدقيقة وتلك الخطب الإنترنيتية الرنانة؟ حينها تمنى لو أنه يعرف عنوان العلامة الحبر "جوجل" ليدعوه إلى مثل هذا المؤتمر, فإن الجعجعة اللفظية التي يهتز بها العالم الإلكتروني للملاحدة ليست إلا قبسا من علومه. إنهم ملاحدة "القص واللصق". زال عنه حزنه لمنعه من إلقاء كلمته. لأنه لو تكلم لقال: "أرى أن الإلحاد الافتراضي حلم جميل يوشك أن يتحول إلى كابوس فظيع حين يغادر به أصحابه أسوار العالم الرقمي." التفت إلى الأستاذ عرقوب فوجده يغط في نوم عميق. استسلم هو الآخر لإغفاءة لم ينبهه منها إلا نهيق مفاجئ. فتح عينيه فإذا به يبصر الحمار يتقدم جحافل التنوير وهي تغادر القاعة في موكب مهيب.
avatar
حسين عبدالرحمن حسن
عضو متميز
عضو متميز

عدد المساهمات : 191
تاريخ التسجيل : 19/11/2009
العمر : 24

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أبو الالحاد يوميات ملحد افتراضى لمن يحب ان يضيف

مُساهمة من طرف حسين عبدالرحمن حسن في الجمعة أكتوبر 21, 2011 2:42 pm

(Cool صراع الأجيال: نسخة إلحادية

أطفأ أبو الإلحاد حاسوبه بعد جولة أخرى من إبحاره على أمواج الشبكة العنكبوتية, ولكم ساءه ما صار يلقاه من إهانة في منتديات "الجرب والجذام" من شبيبة الإلحاد. إنه ملحد مخضرم عاش في الزمن قبل الرقمي وشم رائحة الأوراق وقلب بأنامله الصحائف. إنه ليس من هؤلاء المغرورين من حدثاء الأسنان الذين يملئون الآن نفسه غيظا. إنهم ملاحدة لا جدال في ذلك, لكنهم ملاحدة بأسنان الحليب, ولعلهم إنما ألحدوا بسبب جهود أمثاله من جنود "التنوير" المجهولين, لعلهم كانوا يبقون على تدينهم الموروث لو لم يعاصروا ثورة المعلومات, إنهم ملاحدة الصور والأرقام, لا ملاحدة الحروف والأفكار, إنهم ملاحدة الفيسبوك والتويتر, إنهم ملاحدة الجيل الثالث من الهواتف الذكية, لذا فهم موهوبون في أساليب التدليس التقني وفنون التضليل الإلكتروني, إنهم يجيدون "المونتاج" وإن كانوا مفلسين عند الاحتجاج. تجد أحدهم يبتكر فيديو في خمس دقائق يلخص فيه "مغالطات" المسلمين, لكنه يضمنه فقرات من نشيد الإنشاد أو سفر التكوين! إنهم أهل حماسة لا كياسة, إنهم أهل طيش ونزق, إنهم أهل تنطع وعجلة, لكن حسبنا أنهم يديرون العجلة, عجلة "التنوير الإلكتروني". إنه مستعد للتغاضي عن كل هفواتهم لو سلم هو نفسه منهم, لكن سهامهم أصبحت تناله, وألسنتهم صارت تنهشه.

ما أشد وقاحتهم ونكرانهم للجميل! لقد أسمعوه اليوم أقذع الشتائم, توقف عن التفكير قليلا وتساءل: "بأي قانون مادي يكون الشتم مذموما من وجهة نظر إلحادية بحتة؟" حدق في الجدار أمامه طويلا وهو يتأمل هذا المعنى الغريب الذي خطر في باله, هل يعقل أن يكون مخطئا في انفعاله؟ ربما كان هؤلاء العفاريت حقا أعمق منه إلحادا على حداثة أسنانهم, الشتم شيء لا وجود له في العالم المادي, هل يمكن أن يكون استنكاره لتلك العبارات القاسية وتلك الكلمات الجارحة مجرد أثر لرواسب مجتمع ما قبل "التنوير"؟ ربما كان الأمر كذلك, وهب أن الشتم مذموم لسبب ما, كأن يكون محظورا بسبب التوافق الاجتماعي على ذلك, فلنتصور أن في "العقد الاجتماعي المادي": بندا يقول: "لا تشتم متنورا بما ليس فيه", ثم خطر له أنه غضب لأنهم شتموه ببعض ما هو فيه, فاستطرد في خواطره: "إذن فليكن البند هكذا: "لا تشتم متنورا أبدا", ما هذا الهراء؟ كيف نفرض على الإنسان المادي قيدا مثل هذا؟ يجب أن نمحو من قاموس المجتمع المتنور هذه القيود الرجعية التي تكبل حريته بسلسلة طويلة من "افعل ولا تفعل", و هب أن شيئا مثل هذا يوجد بالفعل, ماذا لو رفض أحدهم أن يوقع مثل هذا العقد فضلا عن أن يمتثل له؟ ماذا لو احتفظ لنفسه بحقها في الغضب, وفي ترجمة هذا الغضب في صورة شتائم تنفس الحرارة التي يثيرها ارتفاع نسبة الأدرنالين في جسمه, فهل نلومه على هذه السلسلة من التفاعلات المادية؟ أبدا, هل نلوم الماء لأنه يغلي فوق النار؟ هل نلوم الحجر المتدحرج من الجبل؟ أبدا لا عتب على المادة ولا ملام, ولا استدراك على سلوكها الحتمي ولا كلام, كل ماهنالك أنها تفعل ما تأمرها القوانين المادية بفعله, و الانسان مادة, والمادة تخضع لتفاعلات لا تملك حيالها شيئا, فالغضب انعكاس لإفراز الأدرينالين, مما يؤدي إلى سلسلة معقدة من التفاعلات تفضي إلى رد فعل يسمى شتما وسبابا وتقريعا ولعنا, هذا كل شيء, لكن المادة تخضع لحتمية قاهرة, فهل يقال مثل ذلك عنه وهو الإنسان الحر؟ لكن هل هو حر فعلا؟

أحس بالتعب والصداع, وغضب من نفسه وعجب منها كيف تقوده في متاهات سوداء لا يكاد يبصر منها مخرجا. غضب من طوفان الأسئلة التي تنقض عليه من كل حدب وصوب, ولا يكاد يحير لها جوابا, غضب لأنهم شتموه, ثم غضب حين اكتشف أنه لا يستطيع القطع بأن الشتم أمر يستحق أن يغضب لأجله, بل إن تفكيره بلغ به زاوية موصدة لا يكاد يتبين من خلالها إن كان يملك شيئا من أمره, إنه لا يعلم إن كان حرا يملك الاختيار, أم أنه كتلة مادية تزحف على سطح الأرض تحكمها تفاعلات مادية حتمية؟ كل ما يعلمه أنه لا يعلم شيئا, لكنه ما يزال غاضبا, لكنه الآن غاضب على نفسه, يجادلها ويلومها ويسألها: "فيم الغضب؟ " ثم إنه من المشين أن يلوم أحدا على شيء هو فيه, فهو مثلهم شتام سليط اللسان, لكن مهلا, أليس هو نفسه وأقرانه من ربى هؤلاء الصبية وصنعوهم على أعينهم وسقوهم بلبانهم؟ أليس هو من شحذ ألسنتهم وأظفارهم حتى صارت كالأسنة والحراب؟ نعم إنه يقر بذلك, ولكن استعمال ذلك كله يفترض أن يقتصر على إدارة حرب "التنوير" مع المتدينين, ها هو ذا يضبط نفسه مرة أخرى متلبسا باستعمال كلمة ملوثة ميتافيزيقيا: "يفترض" وما للملحد والافتراض؟ الملحد جسم مادي كما أن الزنك والقصدير والفحم أجسام مادية, هل تملك هذه كلها أن تفترض؟ كلا, فلم يفترض إذن وهو ملحد؟ لِم يندم؟ لم يغضب؟ لم يفرح؟ لم يضحك؟ لم يبكي؟ لم يبسم؟ إنه بكل أمانة لا يدري, لكنه يحذر كل الحذر أن يقر مثل هذا الإقرار بين الزملاء وفي منتديات الخصوم, تساءل منكسرا: "متى يصفو لي الإلحاد؟ ومتى أخلصه من كل هذه الشوائب المتراكمة؟"

إن الزملاء مراتب ثلاث تنصهر كلها في بوتقة الإلحاد دون أن تمتزج تماما, أعلاها وأجدرها بتقديره واحترامه العميقين "طبقة الملاحدة" إنهم علية القوم وزبدة "التنوير" إنهم ملأ المجتمع المادي. إنك تجد أحدهم في منتداه يصرخ فخورا متحديا: "إلي أيها المتدينون, هلموا إلي: "أنا ملحد" إنك مهما قلبت عينيك في هذه الشرذمة القليلة من رواد "الإلحاد الإلكتروني" فلن تجد شيئا اسمه الحياء, لقد تحرروا منه تماما. ودونهم في الرتبة زملاء ألحدوا على استحياء فزعموا أنهم يؤمنون بخالق لا يعرفون له اسما ولا صفة, وهم إنما يريدون هذا الوجود المادي برمته, إنهم يحيدون عن الإقرار بألوهية خالق موجد فيسقطون في تأليه سائر الموجودات, فالكون في عرفهم يستحق كل تبجيل وتعظيم, إنهم ضعفاء الإلحاد, يمسكون عصا "التنوير" من الوسط فيتسمون "لا دينيين" إنهم لم يبلغوا بعد أن يقولوا كلمتهم صريحة فيلتحقوا بالكوكبة التي تقود قاطرة "الإلحاد" لكنهم يبقون زملاء جديرين بكل دعم. وفي أدنى مراتب "الإلحاد الافتراضي" زملاء مذبذبون يميلون مع كل هبة ريح, ليس لآرائهم ثبات ولا لإلحادهم أساس. إنهم لا يدرون ولا يعلمون ولا يوقنون إنهم رواد اللاأدرية. حينها بدأ أبو الإلحاد يتصور مسائل الخلاف بينه وبين هذه الطبقة, ثم استعرض كل الأسئلة العالقة في ذهنه والتي لو أجاب عنها بإنصاف لقال: "لا أدري", فلو سئل: "ما دليل إلحادك؟" أو "كيف أنكرت خالقك؟" أو "كيف تجزم أن لا حياة إلا هذه الحياة؟" أو "كيف جزمت بأن الإنسان جسد بلا روح؟" لما كان له جواب مقنع سوى أن يقول: "لا أدري" أمر غريب إن الهرم الإلحادي يوشك أن ينقلب رأسا على عقب في رأسه, هل يعقل أنه كان طيلة الوقت يراه مقلوبا؟ لقد كان يرى قمته سفحا, وسفحه قمة, إن أدعياء الإلحاد الخالص في أسفل السلم الإلحادي في واقع الأمر, إنهم في سفح الهرم, إنهم يدعون أمرا لا حقيقة له ولا برهان عليه, إنهم مجرد جعجعة لفظية فارغة, لهذا السبب يكثرون السباب, لهذا السبب يكثرون الضجيج. أحس أنه يوشك أن يحل لغزا طالما حيره, لماذا لا يجيب الملاحدة عن أكبر سؤال للمتدينين: "أعطونا دليلا واحدا على إنكار الخالق." السبب هو أنهم "لا يدرون ولا يعلمون ولا يوقنون." إذن الزملاء في الفرع "اللاأدري" من "حزب التنوير" أقوم سبيلا, إنهم أتوا الأمر من بابه, يقولون "لا ندري" ومن قال: "لا أدري" فقد أنصف, ومن كان لا يدري ثم يكابر فلن يأتي بشيء سوى السفسطة والبقبقة اللفظية. أما زملاؤنا "اللادينيون" فهؤلاء يصدق عليهم لقب "منافقي الإلحاد" إنهم متلونون, إنك تعجب من سرعة تقلبهم وتناقضهم, إنهم كائنات حربائية تلبس لكل حالة لبوسها, هؤلاء أولى بأحقر المراتب. تنهد أبو الإلحاد لما بذله من جهد تنويري مضن, وشعر بشيء من الإرتياح, وقال يحدث نفسه: "يجب أن أغير معلومات الديانة في سيرتي الذاتية, فأنا من اليوم "لا أدري" ولست "ملحدا" بالمعنى الذي كنت أعتز به." خف غضبه قليلا ورضي من أسئلته المتكاثرة أن يؤجل النظر فيها كما يملي عليه منهجه الجديد الذي يرفع الشعار الرنان: "لا أدري".
avatar
حسين عبدالرحمن حسن
عضو متميز
عضو متميز

عدد المساهمات : 191
تاريخ التسجيل : 19/11/2009
العمر : 24

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أبو الالحاد يوميات ملحد افتراضى لمن يحب ان يضيف

مُساهمة من طرف حسين عبدالرحمن حسن في الجمعة أكتوبر 21, 2011 2:44 pm

(9) موت الإلحاد

أوى أبو إلحاد إلى فراشه وحاول أن يغمض عينيه فلم يقدر. لم يطاوعه النوم فتناوم, لكن النوم هجره, حاول أن يتسلى بعد الضباع لعله يمل فينام, حاول أن يصعد بخياله في سلم التطور, تخيل ذوات الخلية الواحدة كيف استطاعت بفضل الجهد التعاوني أن تلتحق بأخواتها فتكون أولى الكائنات الحية, تخيل بعض الزواحف العمياء تتجه لتغطس في المحيط, تخيل كيف نبتت لها خياشيم وزعانف, لكنه فشل في تخيل الحلقات المفقودة, بدأت الأفكار تنهال عليه, اجتهد أن يسترخي دون جدوى, كلما سكن ذهنه وأوشك أن يصير صفحة بيضاء, تسللت إليه هواجس سوداء, إنه يخاف من الوحدة, يخاف من السكون, يخاف من الصمت, الصمت يفتح باب التفكر, والتفكر يستدعي آلاف الخواطر والصور , تهجم عليه كالجيش العرمرم, إذا صدها من الميمنة هجمت عليه من الميسرة, تطرق باب عقله, تغمره ببحر من الأسئلة.

بدأ يتساءل عن الحياة وعن الموت, لقد وطئت قدماه اليوم أبغض البقاع إلى قلبه, لقد قضى ساعة في المقبرة كأنها سنة, غطى وجهه بالوسادة كأنه يهرب مما علق بذهنه, وتقلب كأنه ينفض عن عقله هذه الوساوس الخانقة, أحس بغبار المقابر يملأ أنفه, بدأ هذا الحوار الداخلي يدور بداخله: "كيف أتخلص من هذه الهواجس؟ مالي والتفكر في الموت ولم أبلغ الأربعين بعد؟ سأعود للعناية بنفسي, سأترك التدخين, سأنظم الشرب, فلأقتصر على كأس أو كأسين في الأسبوع, مات مروان, لقد كان وسيما ممتلئا شبابا؟ سقط فجأة كجذع من خشب أثناء المباراة, توقف قلب مروان قلب هجوم الفريق, مات في الوقت الإضافي, مات وهو يركض في حالة شرود, قال الأطباء: أزمة قلبية, سحقا لهم لماذا لم يكتشفوا ذلك قبل موته؟ قطعة لحم في حجم التفاحة تقذف بك بعيدا إلى العالم الآخر, أعني عالم الموت والفناء, وأي شيء الموت؟ لا شيء, الموت عدم, لكن مهلا لماذا قد أخاف من شيء لا وجود له؟ كيف أخاف من لا شيء؟ تنهد كأنه يدفع من صدره هذا الانقباض الذي يجثم عليه, ثم تساءل: ما زلت أخاف من هذا الشيء الغامض البغيض منذ عقلت, إنهم يقولون إن الموت أخو النوم, لكني أحب النوم فلماذا أكره الموت؟ إذا كنت مجرد مادة صماء, فلماذا أخاف من الموت؟ ربما هي الغريزة الحيوانية الداروينية؟ انظر إلى حيوانات الأدغال, إنك تكاد تقرأ معاني الرعب على وجه الحمار الوحشي المبرقش وهو يعدو بأقصى سرعة لينجو بجلده ولحمه, وعصبه وعظمه, وبياضه وسواده من السبع الضاري الذي يلاحقه, إنه يكاد يشعر بأنفاسه الملتهبة تلفح قفاه, أليس هذا خوفا من الموت؟ بلى ولكن ما هذا الخوف أقصد, هذا خوف طبيعي له سبب وجيه, لكن الحمار الأنيق في بذلته المخططة, مثل نجوم السبعينات, لا يخاف حين يكون في سربه في لحظات الأمن والسكينة, ينعم برفقة الأتان وبرؤية الجيل الصاعد من الجحوش ,يقضم العشب الأخضر ويكرع من ماء النهر, هل نتصور حمارا ممددا فوق حشائش السافانا الإفريقية تتصارعه هذه الأفكار الوجودية التي تعصف في رأسي الليلة؟ هل سمعتم بحمار يعاني من الأرق ويدمن المهدئات؟ أنا لا أقصد الخوف الدارويني الذي يصرخ في داخل كل حيوان: "أريد أن أبقى, أريد أن أعيش", إنما أعني هذا الخوف الذي يتملكني الآن, إنه شيء مختلف, إنه شيء غريب, فأنا لا أرى له من سبب, ترى هل يمكن تفسير هذا الخوف "الفلسفي" من الموت بالرجوع إلى مبادئ نظرية التطور؟ لا أدري, لكن التطور يعني الانتقال من طور أدنى إلى طور أعلى وأفضل, وأي فضل في إحساس بالخوف يشل تفكيرك وينغص عيشك؟ أنا كائن مادي قلبا وقالبا, أيقنت أن الروح خرافة, الوعي تفاعلات كيميائية, تفاعلات معقدة لكنها تبقى مجرد تفاعلات, هل يخاف البحر حين تلقي فيه حجرا؟ إنه لا يهتم ولا يتقي, بل ينتظر في هدوء حتى يلامس الحجر صفحته فترتسم عليه أمواج دائرية رقيقة كأنه يبتسم, إنه تعبير البحر عن عدم اكتراثه, هل يترقب البحر سقوط الحجر؟ هل يخاف؟ إنه لا يبالي ولا يأبه بشيء, إنها عظمة المادة, وأنا مادة, ففيم الجزع إذن؟ أمر محير, انظر إلى التلفاز تطفئه وتشغله بزر واحد, الإنسان آلة داروينية متطورة, لماذا لا نعتبر موته مثل إطفاء أي آلة أخرى نعرفها؟ تضغط الزر قليلا فينتهي كل شيء؟ لكن الأمر ليس بهذه البساطة أبدا, حتى من يقف والسكين بيده ليحز شرايينه, أو يحمل كأس السم ليحتسيه, أو يقف على حافة هاوية ليتردى منها, حتى هذا الإنسان المقبل على الإنتحار يشعر أن الأمر لا يشبه أبدا إطفاء جهاز أو تعطيل آلة, لكن لماذا؟ هل المادة تجزع؟ هل المادة تخاف؟ هل المادة تتردد في فعل ما ينبغي لها فعله؟ أبدا فالمادة في غاية الحزم والمثابرة والبرود, تحية تقدير وإكبار للمادة, المادة لا تعرف لا العواطف ولا الكلام الشاعري الرقيق, فمن أين جاءنا هذا الخوف القاتل؟"

"سأعتني بنفسي, لكن ذلك لم ينفع مروان, لقد مات في الثلاثين, إذا كانت الرياضة لم تنفعه فهل تنفعني؟ أنا لا أريد أن أموت, على الأقل أريد أن أعيش كما يعيش الناس سبعين, ثمانين, تسعين, أو مائة سنة, ولم لا؟ تبا, حتى ألف لا تشبع نهمي للحياة! لماذا يسكنني هذا الإحساس برغبتي في البقاء؟ هل هذا هو منشأ فكرة الخلود التي يدندن حولها أهل الأديان؟ أمر مثير للاهتمام أن يكون لهذه الفكرة الدينية مكان في تفكيري وأنا ملحد عريق في الإلحاد, إني أتمنى الخلود وإن كنت لا أفصح عن هذه المُنية, لكنها هنا في أعماق نفسي, إنها في قعر سحيق, لكنها تصرخ بي: "لا تكابر, أنت لن تشبع أبدا من الحياة" واأسفاه, إني أؤمن وأقطع وأجزم بأني لا بد أن أذوق كأس المنية, لماذا أعجز عن تقبل الأمر بكل هدوء كما يفترض بالمادة أن تفعل ما ينبغي لها فعله؟ عجبا, شيء ما داخلي لا يقنع بمطلب دون الخلود, ياه, لو كان ذلك ممكنا؟ إنها فكرة عريقة في القدم, لقد حنط المصريون فراعنتهم, ماتوا ولم يمت أملهم في حياة أخرى, مساكين, كانوا يؤمنون بحياة أخرى, فماذا كان من أمرهم؟ الحياة الأخرى الوحيدة التي نالوها هي حياة خلف الزجاج البارد في متاحف لندن وباريس, لكن الزملاء الملاحدة أنفسهم بدأوا يتساقطون كالذباب ضحايا لهذا النهم الأسطوري للخلود, إن بعضهم دفع كل ما يملك ليدفع التكاليف الباهضة لحجز تذكرة العودة إلى الحياة, "النيتروجين" هو الكلمة السحرية التي تعزف سيمفونية "أحلام الخلود" في آذان الزملاء المتنورين, كما كان التحنيط البدائي يعزفها في أذن توت عنخ آمون ورمسيس الثاني."

تخيل أبو الإلحاد نفسه مغمورا بالنيتروجين السائل, ينتظر الجيل الموعود الذي سيفك اللغز المحير لغز الحياة, لغز الموت, لغز الوجود, ليحقق حلمه المنشود, فيهبه تذكرة إياب إلى الحياة التي سيغادرها مكرها, أحس برائحة النيتروجين التي لم يشمها من قبل, لكنه تخيل أنها رائحة باردة, تخيل نفسه ملقى في تابوت زجاجي كأنه ثور أرجنتيني مجمد, وهل يعقل أن يعود بعدها إلى الحياة, إلا كما يتصور أن قطع الديك الرومي في ثلاجته ستتجمع ليصيح من جديد, يا له من حلم جميل! لكنه حلم بعيد المنال, فهو لا يملك الملايين لسد نفقات التحنيط عالي التقنية, ما أشد جشع زملائنا في العالم الجديد, عالم الأفلام والأحلام, يبيعون وعدا معلقا قد تخلفه القرون, ثم يقبضون ثمن الخدمة الموعودة نقدا, هلا أخروا السداد إلى وقت الوفاء؟ هلا اقتدوا في بيعهم للخلود بخصومنا المتدينين؟ إنهم لم يجعلوا العودة للحياة حكرا على الأغنياء دون الفقراء, ولا على البيض دون السود, لقد جعلوا الباب مفتوحا يلجه كل أحد, كل ما هنالك أنهم جعلوا الإنسان يقرر بنفسه كيف تكون جولته الثانية من رحلة الحياة, كأنهم قالوا: "بيتك هناك, فاجعله نعيما أو جحيما" يجب أن أقر لهم رغم اختلافي معهم, أنهم أكثر إنصافا من هؤلاء التجار مصاصي الدماء, إنهم أحفاد شايلوك, إنهم سماسرة يتجرون في الخلود ليراكموا الكنوز, أما أهل الأديان فإنهم ربطوا فكرة الخلود بأمر يستطيعه كل أحد, وليس بكم الأصفار عن يمين الحسابات البنكية, شعر بالفزع مما دار في ذهنه, لقد تزحزح إلحاده, وكاد يركن إلى الإيمان, انفجر ضاحكا, وهو يقول: "لقد فضح الموت الإلحاد" عدنا من حيث بدأنا, اتفق المؤمن والملحد على أن الحياة سر دفين, علق كلاهما الكشف عنه على المستقبل, لا إشكال أن يؤمن المتدين بالبعث والنشور وبالجنة والنار, لكن العجب كل العجب أن يسترزق الملحد المتنور من نفس ما ينكره على خصومه نهار مساء, إن الملاحدة أصبحوا يؤمنون بالبعث, لقد صاروا يبيعون الوهم, إن الملاحدة لم يعودوا ملاحدة, إن الإلحاد صار ملة ودينا وإيمانا, إن الإلحاد أثبت أن الإنسان كائن متدين, لقد أحسنت باعتناق المذهب اللاأدري, فهذا الإلحاد الملفق لا يكتفي بالسطو على شذرات من التراث الديني, بل يستثمرها للسمسرة في بورصته "الشايلوكية". لقد اكتملت أركان الملة "التنويرية" ولم يبق إلا تأسيس كنيسة إلحادية تقدم فيها القرابين والنذور للقسيس "دونكي" بالوسائل التقنية المتطورة.

شعر أبو الإلحاد بالإحباط, إنه لا يملك ثمن النيتروجين, ولا يملك أن يقتلع من نفسه فكرة الخلود, ولا يملك أن ينام, كل ما بقي له أن يغوص في أحلام اليقظة, تخيل نفسه من خلف ستار القرون وقد استنقذه أبناء المستقبل من مسبح النيتروجين, فتح عينيه فنظر إلى كائنات خضراء تلبس ثيابا بيضاء وتضع الكمامات, وبدل أن يتساءل هل صارت الأرض مستعمرة في قبضة شعب المريخ, تساءل: "كيف له أن يعرف أنه هو الشخص نفسه الذي كانه قبل أن يغطسوه في المحلول النفيس؟ كيف علم الجسد المحنط أنه جسد أبي الإلحاد؟ إنه الآن ممدد في قاعة معقمة في ضيافة المخلوقات التي ينسب لها البروفيسور "دونكي" برمجة حمضنا النووي, فكيف يكون الشخص نفسه الذي كان يوما ما في غرفة حقيرة, ممددا على سرير خشبي متهالك, تتصارعه الهواجس ويكده الأرق؟ ما هو هذا الشيء الذي يدعوه "أنا"؟ هل هو هذه البلايين من الخلايا المتجمعة؟ وكيف عرفت الخلايا أنها تكون كيانا متجانسا حتى تدعو نفسها فجأة "أنا" بدل أن تقول "نحن"؟ من هو هذا "الأنا" الذي يسافر عبر الزمان والمكان ولا يلتبس بغيره أبدا؟ ماهو مفتاح هويتك يا أبا الإلحاد؟ هل يمكن أن نفترض على سبيل التنزل أن هذا "الأنا المجهول" يبقى في صورة ما, وفي بعد آخر لا نعلمه بوسائلنا الفيزيائية والتقنية المحدودة؟ وإذا كان هذا "الأنا" الذي أعنيه حين أقول "أنا" هو منبع هذا الطوفان من الأسئلة التي تكاد تهشم رأسي, فلم لا يظهر حتى أراه وألمسه وأطمئن عليه؟ من "أنا" يا "أنا"؟ هل يعقل أن يكون هذا "الأنا" يسكن بعدا آخر من أبعاد المادة لا نعلمها بعد؟ ربما تعرف المخلوقات الخضراء عنوان هذا "الأنا" وموطنه, فتستقدمه يوما ما لتعيده مرة أخرى في أجساد المحظوظين الذين يحظون بحمام بارد طويل الأمد في حاويات النيتروجين؟ من يدري ربما كان الزملاء الشقر على حق؟ فقد علمني الإلحاد ألا أستهين بأي احتمال مهما دق ورق حتى أشبه المحال." وعلى إيقاع هذا الأمل الضئيل الذي تناهى في دقته حتى كأنه هباء, شعر أبو الإلحاد ببصيص من السكون, فأغمض الجفون, وبدأ النوم يغزو رأسه شيئا فشيئا.
avatar
حسين عبدالرحمن حسن
عضو متميز
عضو متميز

عدد المساهمات : 191
تاريخ التسجيل : 19/11/2009
العمر : 24

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أبو الالحاد يوميات ملحد افتراضى لمن يحب ان يضيف

مُساهمة من طرف حسين عبدالرحمن حسن في الجمعة أكتوبر 21, 2011 2:45 pm

(10) تأملات داروينية

عاد أبو الإلحاد من السوق يتصبب عرقا, دخل بيته وهو يحمل الفقة, اشترى بيضا وباذنجانا وسمكا, و أعد لنفسه فنجان شاي, ثم جلس ينتظر عودة أم الإلحاد لعلها تهيئ له طبقا شهيا من الباذنجان المحشو بالسردين المفروم. إنه طبقه المفضل. لقد وجد هذه الوصفة يوما في قسم الإستراحة في أحد منتديات "الجرب والجذام". ومنذ ذلك اليوم وهو يكاد يشعر برائحة الخنوزة تهجم على أنفه كلما دخل على زملائه الافتراضيين, ربما تنبعث تلك الروائح من بين ركام الشتائم والكلام البذيء, وربما تفوح من الوصفات الغريبة في قسم الإستراحة, فهو رغم إلحاده العميق لا يستسيغ كل ما يروج في المطبخ الإلحادي, كل ما في الأمر أن هذه الوصفة الفريدة وافقت هواه. جلس يتخيل مقادير الزيت والثوم والليمون والبهارات اللازمة لطبقه المنشود, وتساءل كم من الوقت يلزم الصدفة الخلاقة لتهبه طبقه الشهي الذي تنجزه زوجه في أقل من ساعة؟ لا بد أن الصدفة تحتاج زمانا مديدا لهذه الغاية كما هي عادتها, حاول أن يحسب احتمال تكون مثل هذا الطبق اللذيذ بمحض الصدفة, يبدو أنه احتمال ضئيل جدا, لكن الطبيعة تعمل بصبر وأناة, من حسن حظه أنه لا يعتمد على الصدفة في مثل هذه الأمور المصيرية, فإن مصارينه لن تحتمل طويلا. بدأ يحتسي الشاي و يتأمل محتويات قفته, تفكر في غلاء الأسعار وفي ندرة الخضار, سمع أن ارتفاع سعر البنزين هو السبب في ذلك, تخيل كيف سيتحول هو نفسه إلى بنزين بعد ملايين السنين, تساءل هل سينتهي يوما ما محترقا في محرك جرار يحرث الأرض أو في خزان صحن طائر يجوب الفضاء, لكنهم سيستعملون طاقة أخرى على الأرجح, لا يهم, فالمادة لا تفنى ولا تستحدث من العدم, لكنه لو لم يأكل شيئا فإنه يوشك أن يغمى عليه من الجوع, نظر إلى سمكة سردين بجلدها الفضي البراق, نظر إلى عينيها الجميلتين فوجدهما جاحظتين كأنهما تنظران إلى شيء ما, تخيلها كيف كانت تسبح في رشاقة بالغة في أعماق المحيط حين اكتشفت فجأة أنها وقعت في الفخ , وأن الشبكة أطبقت عليها من كل جانب, خاطبها قائلا: "للأسف فإنك خسرت معركة البقاء, إن أسلافك لم يفهموا آليات الانتخاب الطبيعي كما ينبغي, لقد جازفوا بالبقاء في المحيط, ربما ظنوا أن المستقبل مظلم على ظهر اليابسة, ماذا لو كانوا بادروا باستكشاف البر؟ من يدري لو كانوا فعلوا فربما كنت الآن مكاني تلبسين الثياب الأنيقة وتنعمين بالشاي الأخضر الصيني, ولكنت تنظرين إلي في القفة وتعجبين من زعانفي المدببة ورائحتي الغريبة", تخيل نفسه مقليا أو مشويا, يا له من مصير مؤلم, لكن لحسن حظه أنه ارتقى في سلم التطور درجات كافية جنبته هذا العذاب المؤلم, لكن أهل الإسلام يتوعدونه بنفس المصير لأنه كفر بدينهم و اعتنق "ديانة" التطور, تفكر: "إنهم يسمون كل شيء دينا, فليكن كذلك, فماذا ينقمون على التطور؟ لو لم يكن فيه علي من فضل إلا أني لست سمكة سردين فما أعظمه من دين." تمنى لو أنه لقي داروين ليشكره شخصيا على كشفه لأسرار التطور المذهلة.

قرر أن يسلق بعض البيض ريثما تعود أم الإلحاد, لم يجد إلا بيضة واحدة, وضعها على النار وهو يتساءل: "ما الذي سبق البيضة أم الدجاجة؟ و ما الذي سبق الآح أم الماح؟ لو كانت الطبيعة تسير وفق تسلسل المعجم لكان الآح أسبق, لكن بحث التطور لم يصل بعد إلى هذه التفاصيل الدقيقة, لكن كيف استطاعت الطبيعة أن تعمل في هذا المجال الضيق؟ شيء عجيب, جلد وعظم, ريش ولحم, جناحان ومنقار, لا بد أن هذا كله استغرق وقتا طويلا, الطبيعة مدهشة, الطبيعة خلاقة, تصنع هذا كله بشيء لا أستطيع أن أصنع منه إلا شيئين لا ثالث لهما بيضا مسلوقا أو مقليا." تخيل أسلافه الأوائل وتساءل: "ما الذي تطور أولا الطعام أم الأسنان؟ اللعاب أم اللسان؟ البلعوم أم المريء؟ المعدة أم الأمعاء؟ ياه, إن الأمر محير فعلا" تصور إنسانا تنبت له أسنان قبل أن تكون له معدة, فماذا يصنع؟ أمر عجيب: "هل يسقط الطعام الممضوغ في البطن لا يمسكه شيء؟ لا بد أن الطبيعة تداركت الأمر بطريقة ما؟ لكن كيف عرفت الطبيعة أننا نحتاج إلى الإحساس بالجوع ثم علمت أن مجاوزة الحد في الأكل مضر في معركة البقاء فوهبتنا الإحساس بالشبع؟ لا بد أن بعض القبائل النهمة انقرضت بسبب التخمة لوجود هذه الثغرة في بنيان التطور, فبادرت الطبيعة بابتكار هذا البرنامج الوقائي الكيميائي الدقيق الذي يضبط الجوع والشبع, لكني الآن أتضور من الجوع." شرع يقشر البيضة واقفا ثم التهمها في لمح البصر, لكنه ما يزال جائعا, أخذ رغيف يابسا وشرع يقضمه في شره, ثم أخذ قنينة عسل, فشرع يضع منه على الرغيف ويأكل, كان لفرط جوعه لا يجيد المضغ, كان يزدرد الخبز ازدرادا ويسرطه سرطا, وكان صوت أضراسه وبلعه للطعام يقطع سكون البيت, إلى أن حل ضيف غريب, سمع طنينا عند أذنه, إنها نحلة, شعر بالرعب, إنه يخاف من النحل, صار يركض في المطبخ, لكن النحلة تلاحقه, يبدو أنها عازمة على استخلاص بقايا العسل العالق في شواربه, نظر إليها وهي تطير إليه, رفع كلتي يديه يصدها, لكن فات الأوان لقد أحس باللسعة المؤلمة على أنفه, إن حقنة الطبيب ألطف من هذه الوخزة السامة, ما له وللعسل! يا ليته صبر قليلا, نظر إلى أنفه وقد تضاعف حجمه, ثم نظر إلى النحلة وهي تجود بنفسها وقال متسائلا: "ماذا استفدت الآن, ها أنت تموتين, عجبا لماذا لم تطوري سلاحا لا يودي بحياتك, يا لها من حماقة, وخزة فيها هلاكك" ثم خيل إليه أنه سمع صوتا يقول له: "بل أنت ما قيمة حياتك؟ أما أنا فحياتي كفاح, وكدحي شفاء, ووخزي سلاح, وأنت فلأي شيء تحيا ولأي شيء تموت يا بن الأربعين؟" حينها أيقن أبو الإلحاد أنه صار يهذي من الجوع, ثم سمع صوتا مألوفا يقول: "عزيزي لحود ماذا جرى لأنفك, ياه كل هذا أنف؟" فأجابها: "أبدا لا شيء, لكني جائع, اشتريت سردينا.." فقاطعته قائلة: "ألم نتفق أنني لا أدخل المطبخ أيام العطل؟ ضعه في الثلاجة إلى الغد." عندها خرج أبو إلحاد يركض كالمجنون ليشتري شيئا يأكله.
avatar
حسين عبدالرحمن حسن
عضو متميز
عضو متميز

عدد المساهمات : 191
تاريخ التسجيل : 19/11/2009
العمر : 24

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أبو الالحاد يوميات ملحد افتراضى لمن يحب ان يضيف

مُساهمة من طرف حسين عبدالرحمن حسن في الجمعة أكتوبر 21, 2011 2:46 pm

11) الآلهة الإلحادية

تصفح أبو الإلحاد منتدى إسلاميا ذات ليلة, فشده مقال يدعي صاحبه أن الإلحاد دين وإيمان. تبسم وهو ينظر إلى المغالطات تسري في أوصال المقالة, لكنه استمر في القراءة فاستوقفته الخاتمة التالية: "وخلاصة القول أن الملحد صاحب عقيدة شاء أم أبى, فهو يدين بدين, ويعبد إلها بل آلهة, بل إنه يسبحها ويمجدها سرا وجهرا, والطريف أن الملحد يغضب إن أهين معتقده الذي ينكر وجوده, ويستميت في الدفاع عنه, كما يستميت المؤمن الذي ينتسب لدين من الأديان." توقف صاحبنا عن القراءة, وتذكر الشكوك التي ظلت تساوره منذ طرده من منتديات "الجرب والجذام", وتذكر خشيته من انزلاقه من إلحاد عقلاني متنور إلى إلحاد عاطفي متحجر, تذكر اقتباسه اللاشعوري لكثير من مقولات المتدينين, تذكر تدليسه باختراع مصطلحات من قبيل "الغيب العلمي" و"الصدفة العلمية", وأقر في قرارة نفسه أن هذه السقطات توشك أن تنسف بنيان إلحاده نسفا. لكن الذي قرأه في هذه المقالة الجريئة نكأ جراحه القديمة فأزمع في نفسه أمرا. قرر أن يدخل هذه الشبهة الخطيرة إلى "المشرحة" ليكشف عما في أحشائها من التلفيق والتدليس. لا بد أن ينظر في هذه الدعوى العريضة التي يتبجح بها عليه الخصوم, ويفكك أجزائها ويكشف عن مغالطاتها واحدة واحدة حتى يستريح عقله ويخلص له إلحاده ويصفو له كفره.

بدأ يرتب أفكاره: "يدعي الزميل المؤمن أننا مثله أهل اعتقاد وإيمان, ودليله أننا نفتقر للدليل على ما ندين به من الإلحاد, فلننظر فيما يرد به حزب "التنوير" على هذه الفرية العظيمة" تفكر طويلا, وقلب وجوه الرأي, واستعرض أهم معلوماته الإلحادية, فلم يجد شيئا ذا بال, لم يجد دليلا علميا دامغا يدحض هذه الشبهة, كل ما في الأمر أن الزملاء يهربون من هذه الورطة بقولهم: "إن الإلحاد نفي محض, فلا يحتاج لدليل." أو يقولون: "إنما يُسأل المثبت عن دليل إثباته, فكيف يُسأل النافي؟" ومن الطريف أنهم يستشهدون لإلحادهم من قاموس الخصم فيقولون: "البينة على من ادعى" وكأن نفيهم ليس دعوى! وربما أضافوا -إمعانا في الهرب- : "الإلحاد ,يا عزيزي, هو غياب الإيمان, وغياب الدليل هو دليل الغياب, وما يقال بغير دليل, ينقض بغير دليل." تأمل في كل هذه الأقاويل وحك جبهته متسائلا: "لكن أين الدليل؟" وخطر في باله أن افتقار أصل المذهب الإلحادي إلى دليل مادي دامغ يجعله بالفعل "معتقدا" بكل المقاييس, بل معتقدا قائما على التقليد المحض. ألح عليه السؤال: "كيف يستمر الزملاء في تفريع المسائل وتشقيق الأقوال إذا كان أساس المذهب هشا بهذا القدر؟" "هل يعقل أن مذهب "التنوير" لا يقوم إلى على عمود واحد هو "الإنكار" و"النفي" و"السلب"؟ "أليس في الإلحاد "إثبات" أو "إيجاب"؟ يا للورطة, فالزملاء لا يستطيعون حتى أن ينفوا وجود وحش "لوخ نيس" أو الييتي, لأن العلم لا يعترف إلا بالدليل ولا يقيم وزنا للدعاوى المجردة. إذن فلا يزال ثمة احتمال لوجود هذه المخلوقات في مكان ما, بل إن البروفيسور "دونكي" الذي يطلق عليه الخصوم "قسيس الإلحاد" يعتقد وجود كائنات فضائية, وهو على سعة علمه لا يملك شبهة دليل على ذلك, لكنه من أشرس المنكرين لوجود الخالق, فهل خرج من الكون واستقصى أرجائه وتفقد زواياه النائية وأركانه, وتجول في كل العوالم الظاهرة والكامنة حتى يجزم بأمر كهذا؟ ماذا لو كان البروفيسور المشهور مخطئا؟ يسوءني أن أقر أن كل الأدلة تشير إلى أن مذهب الزملاء يعتبر بسبب هذه الثغرة العظيمة دينا يشمل جملة من التصورات والمعتقدات التي تسد النقص الحاصل في فهمهم لهذا الكون الفسيح وأسراره الغامضة. فما دام الإلحاد لا يقدم الدليل على نفيه للخالق فإن هذا -بكل أسف- إيمان غيبي مجرد عن الدليل. لكن الخصم العنيد لا يقف عند هذا الحد الذي يؤسفني أن أقر له به, بل يرمينا بعبادة آلهة, إنه اتهام مضحك, هذا مما يغني إيراده عن رده.

دار هذا بخلده, وهم بإطفاء حاسوبه, لولا أنه تذكر أنه قرأ يوما مقالا عن علاقة الإلحاد بعبادة الشيطان, لم يعبأ به يومها كثيرا. قام ببحث سريع على الشبكة فوجد موضوع "كنيسة الشيطان" قرأ عن أنطون ليفي مؤسس هذه الكنيسة, وقرأ عن إنجيله الأسود وطقوسه الخبيثة, كم يبغض هؤلاء الشيطانيين, لكنه حين قرأ أن هذا المعتوه زميل ملحد شعر بالصدمة, لقد وجد ملحدا مشهورا يعبد إلها و أي إله؟ إنه يعبد رمز الشر والرذيلة والفساد في العالم, إنه قطعا لا يؤمن بوجوده, لكن إقراره على نفسه أنه يعبد الشيطان بذيله وقرونه وصمة عار في جبين أهل "التنوير". لكن هذا ليس كل شيء, فهناك زميل آخر متنور يدعى بوبي هندرسن أضاف إلها آخر إلى قائمة الآلهة الإلحادية, إنه "وحش السباجيتي الطائر" لم يصدق عينيه حين قرأ عن ذلك أول مرة, ظنها مزحة إيطالية, لكن الزميل جاد لا يمزح, لقد ألف هذا الفيزيائي الملحد إنجيلا يتضمن وصايا إلهه "المعجون" ويا ليت الأمر اقتصر على الزميل الذي ورطنا في هذا المأزق القاتل, فإن البروفيسور "دونكي" نفسه يستشهد في حماس بالإله الإلحادي الكرتوني "وحش السباجيتي الطائر". على الأقل هذا ما اطلعت عليه في كتابه "وهم الإله". ولا أدري كيف خفي عليه أن من يستشهد بإله يسبح في الصلصة الحمراء ويغمس في الماء المغلي أعظم وهما ممن يؤمن بإله يخلع عليه صفات قد يقبلها العقل. إن المطبخ الإلحادي يمور بالوصفات الغريبة, ويفوح بروائح الخنوزة التي تزكم الأنوف, لكن أن ينزلق الزملاء إلى عبادة المعجنات فهذه فضيحة مدوية. تذكر أنه قرأ يوما في منتديات المتدينين أن عرب الجاهلية كانوا يصنعون أصنامهم مما يتيسر لهم, وربما صنعوها من تمر, فكان أحدهم يعبد إلهه اللذيذ ما دام شبعان فإذا جاع شرع يقضمه في خشوع أهل الجوع حتى يصير معبوده في بطنه, وحتى يفنى المعبود في العابد, وحتى تتحقق وحدة الوجود, فيصير الرب عبدا والعبد ربا, ما أتفه هذه العقول, أإله مأكول؟ أإله يتنقل بين المطبخ والكنيف؟ يجب أن أقر أن إلها يتأرجح الناس بين نفيه وإثباته, و يعجز العقل أن يحيل وجوده, خير من إله مأكول مطعوم مهضوم.

تصور الزملاء "المتنورين" وقد قدموا من أرجاء العالم لأداء طقوس "العبادة السباجيتية" ولأمر ما تخيلهم قد تجمعوا في سهول جنوب إيطاليا في يوم مشمس, ووقفوا جميعا في صعيد واحد, وجاء القسيس الأكبر "دونكي" بلحمه وعظمه وشحمه في حلة مهيبة, كالتي يلبسها الطباخون, ويضع على رأسه تلك القبعة العظيمة التي تزيده بهاء, وهو يقول: "أعزائي الزملاء الأجلاء.. يا أهل الأنوار.. يا من تخطيتم الأسوار.. يا أذكياء العالم.. يا زبدة الأرض.. لقد تجمعنا هنا اليوم لنجدد الولاء والطاعة لإلهنا العظيم.. ولنسبح بحمده على إنعامه العميم.. فنضعه في القدر على نار هادئة حتى يستوي في جماله وجلاله.. وحتى ننعم بطيب ريحه ومطعمه.. فلتبارككم "السباجيتي" ولتحمكم "الطماطم" أيها الأكَلة العابدون .. ثم تخيله يقرأ وصفة طبخ إلهه مطرقا ويترنم في خشوع: "إلهنا "وحش السباجيتي الطائر".. جئناك كما أمرتنا فنورنا كما وعدتنا.. وصنعناك كما علمتنا.. فاملأ بطوننا كما عودتنا.. طن من خالص المعجنات.. وطن من الطماطم غير المهجنات.. وأكياس من العطور والبهارات.. لننعم بعطاياك الباهرات.. إلهنا "وحش السباجيتي الطائر" ائذن لنا أن نغمسك في المياة المقدسة.. وأن نرفعك فوق النار المتوهجة.. لتطهرنا من أدران البشرية وتخلع علينا من هبات "السباجيتية".. إلهنا لنشكرنك "بصلصة ناسوتية بنكهة سوفسطائية ولنرشن قدرك العلية ببهارات داروينية.." شعر أبو الإلحاد بالجوع يعتصر أحشائه, وتمنى لو حضر مثل هذا القداس الإلحادي مرة في حياته, تخيل "دونكي" يخلط مقادير إلهه فوق نار هادئة, في سكينة ووقار, ثم يستمر في تلاوة الأوراد الإلحادية ويرتل فقرات من كتابه "وهم الإله" حتى استوى أمامه "إله الوهم" حينها دعا بالأطباق فطار إليه الملاحدة من كل حدب وصوب, فهم إلى معبودهم بالأشواق, فما هي لحظات و دقائق, حتى مزقت السكاكين والأضراس أوصال الإله المطبوخ وتلاشت ألياف المعبود الممضوغ, حين خرست الألسنة وأعملت فيه الأسنان كأنها أسنة, وفني العباد في معبودهم, واستيقنوا وحدة وجودهم, واختلطت المقادير العلية في بطون الرعية, وذابت المعجنات السامية في الأفواه الحامية, وسالت الآلهة "السباجيتية" في الأمعاء الإلحادية, فلا تسل عن الدموع الساخنة التي سالت من حر البهارات الهندية, ولا تسل عن المنامات الشيطانية التي أعقبت التخمة السلطانية, ولا تسل عن القيء والقلس, ولا تسل عن الجشاء والفساء. تذكر أبو الإلحاد ذلك كله واستغرب من سعة الخيال الإلحادي, وخجل من زملائه الذين يوشكون أن يعبدوا "البصل" و"الباذنجان", بعدما عبدوا "الطماطم" و"العجين", توقف عن التفكير قليلا ثم قال يحدث نفسه: "أظنهم بالفعل يعبدون كل شيء, إنهم يعظمون المادة, ويقولون إن الكون أزلي, إنهم يعبدون كل شيء بالفعل. لقد أحسنت بتخفيف حدة إلحادي واعتناق اللاأدرية." أحس بالجوع حتى تخيل أن رائحة صلصة "وحش السباجيتي" بدأت تنفذ إلى أنفه. فرفع صوته يسأل زوجته: "عزيزتي, هل العشاء جاهز؟" فأجابته: "نعم يا لحود, تعال قد أعددت طبق سباجيتي على الطريقة الإيطالية التقليدية" قام إليها مسرعا وهو يقول في نفسه: "سأطير إليك يا طبق السباجيتي الطائر.".
avatar
حسين عبدالرحمن حسن
عضو متميز
عضو متميز

عدد المساهمات : 191
تاريخ التسجيل : 19/11/2009
العمر : 24

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أبو الالحاد يوميات ملحد افتراضى لمن يحب ان يضيف

مُساهمة من طرف حسين عبدالرحمن حسن في الجمعة أكتوبر 21, 2011 2:47 pm

(12) فصل لتعليم الإلحاد

أحس أبو الإلحاد بالحنق الشديد على زملائه إذ هجروه وتركوه في العراء الإلكتروني عرضة لشبهات المسلمين. مضوا وخلفوه في الفضاء الرقمي المكشوف بلا سلاح, حرموه صحبتهم فخبا دخان الإلحاد من عقله رويدا رويدا, إنه وحيد شريد أعزل, تتنازعه الأخطار الفكرية في فضاء معولم, لقد أصبح يخشي على نفسه الفتنة. استلقى على فراشه, شعر بضيق في صدره, حدق في السقف طويلا, أغلق عينيه لينام فأبت جفونه أن تنطبق, لقد انضم النوم إلى قافلة الذين هجروه فإن أرقه يوشك أن يصير مزمنا, ويبدو أن جسمه طور مناعة ضد الحبوب المهدئة.

أطفأ السراج وشرد بعيدا, بدا كأنه يسترد شريط أيامه, أحس أنه عاد طفلا, تذكر الصبا وعاودته ذكريات أيام المدرسة, غاص في ذلك الزمان البعيد, حاول أن يستعيد ذكرياته في ضوء إلحاده, تذكر المقاعد الخشبية, والسبورات السوداء, وسترات المدرسين البيضاء, تذكر آثار الحبر الأزرق على أنامله وتذكر أقلام الرصاص, أحس برائحة تلك السنوات الوديعة, تخيلها سنوات بيضاء, بلون الطباشير, تذكر الفصول المتعاقبة والمواد المختلفة.

تذكر مادة الجغرافيا حتى خيل إليه أنه يسبح في أنهار الصين ويتسلق جبال الهيملايا ويتجول في غابات الأمازون, تصور أنه ينظر إلى قطعان الغنم في الأرجنتين ويتسلى بمشاهدة أسراب البطريق في القطب الشمالي, تخيل ذلك كله وتمنى لو يعود كما كان بريئا سعيدا, يركض في دروب الحياة بعقل طفل ويقفز في خفة كنغر أسترالي. تنهد كأنه يتحسر على صفاء تلك الأيام الخالية وتساءل: "أين يقع إلحاده من هذا كله؟" ماذا لو قيل له: "صف لنا الموقع الجغرافي لإلحادك يا أبا الإلحاد؟" فتح عينيه وهمهم: "لا بد أن هذا المذهب العقلاني المتنور يقع في واد سحيق بين المجازفة والتهور, أو في أخدود غائر بين الشكوك والظنون, وربما أفضى بمنتحله -إن أخفق في بلوغ بر الأمان- إلى ما يشبه ما ظنه القدماء حافة العالم. إن الإلحاد جزيرة مغرية فاتنة تسبح فوق مستنقع من الظنون والهواجس والشكوك, إنها مكان فظيع يحده اليأس شمالا والقنوط جنوبا والحيرة شرقا والاضطراب غربا. لاشك عندي في دقة هذه الإحداثيات, فزعماء الإلحاد وقسسه يحطون رحالهم إما في مستشفيات المجانين أو يركبون مراكب اليأس فيقضون منتحرين, لكنهم في كل الأحوال لا يبرحون الجزيرة الملعونة. يبدو أن الملحد يطلّق الأمل في ذات الساعة التي ينسلخ فيها عن مطلق الإيمان." تذكر كيف كتب إسماعيل أدهم : "لماذا أنا ملحد؟" نشر إعلانه الجريء في الأربعينات من القرن الماضي يتبجح "بيقينه الإلحادي", ويفاخر بطمأنينة نفسه وسكينتها, وينادي: "إني وجدت السعادة الروحية التي يدعيها المؤمنون لأنفسهم, إنها هنا, في مذهب الإلحاد." امتعض أبو الإلحاد من هذا النفاق البين: "ياله من مخاتل كذاب, فلم انتحر إذن ولما يجاوز الثلاثين؟" إنه يعلم هذا كله الآن ويخشى أن يبوح بشيء منه لأحد, إنه يصارح نفسه لأنه يفكر بعقل طفل, إنها لحظات صفاء نادرة يستسرل فيها أبو الإلحاد مع شكوكه, إن نفسه تكاد تصرخ بما لا تكاد تهمس به عادة, إنه يدفع إلى ذلك دفعا, فقد هجره الأقران, وقلاه الخلان, ونبذوه كالحذاء البالي, وأوصدوا في وجهه أبواب منتديات "الجرب والجذام", فماذا يصنع إن لم يطلق لافكاره العنان؟ لا شك أنهم يريدونه أن يجن أو ينتحر. يجب أن يجتاز هذه المحنة بسلام, إنه يحب الحياة, فكيف ينتحر؟ إن الحرب الأهلية تكاد تندلع في رأسه من فرط الحيرة والاضطراب, ويكاد يحس بالأعاصير الإستوائية المدمرة تعصف بين مخه مخيخه. يجب عليه أن يجد لنفسه حلا. لقد أصبح بالفعل على حافة الإفلاس الفكري, ودخل فيما يشبه الركود الكبير, هل هو مقبل على الجنون؟ غطى وجهه بالوسادة كأنه يهرب من هذا الهاجس المرعب, إن زلزالا عنيفا بدأ يهز أرجاء نفسه بقوة لا يكفي لقياسها سلم ريشتر. استمسك بسريره واجتهد أن يحافظ على البقية الباقية من يقينه الإلحادي وأفكاره التنويرية.

تذكر مادة التاريخ, تذكر الإنسان القديم, إنسان الكهوف الذي روض الوحوش, تذكر الحضارات البائدة, والممالك العظيمة, والمدن العامرة, تذكر بابل وسومر, تذكر الحثيين والفراعنة, تذكر الإسكندر وجينكيز خان, وتساءل: "لماذا لم يخل زمان من دين؟ ولماذا لم تخل مدينة من معبد؟ لماذا لا ينفك مجتمع بشري عن إيمان؟ من أين جاءت كل هذه الأديان؟ أحس بجحافل جيش الشك تزحف على رأسه؟ وأحس بهواجس الظنون تراود عقله, وخشي إن استسلم أن يستولي الإيمان على زمام نفسه, فتقلب في فراشه يدافع شكوكه, ويتخيل فصولا أخرى لعلها تزكي كفره وترسخ إلحاده.

تذكر مادة الأحياء وندم أنه لم يدرس التطور في صباه, فهو على كثرة ما سمع وقرأ عن التطور, ما يزال يشعر أنه لغز كبير محير؟ تخيل زملائه الافتراضيين في صورة فايروسات إلكترونية متطورة تحمل الأفكار الإلحادية وتترقب الفرصة المواتية لإخراجها من حيز القوة إلى حيز الفعل, ومن العالم الافتراضي إلى العالم الأرضي, تذكر كيف يتسترون في مكر بإلحادهم ولا يبوحون به إلا في منتديات "الجرب والجذام" التي ينزلقون إليها ليلا مثل فئران المختبر البيضاء, تخيلهم في صورة مرض المناعة المكتسبة, يبثون الشكوك في النفوس المطمئنة حتى تغدو متحيرة متذبذبة, مالهم وللعوام, فليتركوا للبسطاء أحلامهم الوردية وقناعاتهم الموروثة, فليكن إيمانهم وهما, أليس خيرا من حاله وهو مشرف على الجنون؟

تخيل منتديات الزملاء كأنها مزرعة حيوانات مثل مزرعة جورج أورويل, تقودها الخنازير والكلاب, وهذا ليس قدحا في الكلاب والخنازير أبدا, إذ لا يفصل هذه الخنانيص الذكية وتلك الجراء الوفية, عن الزملاء الذين يرتدون الثياب, إلا بضعة كروموزومات وبضع درجات في سلم التطور. لقد نسفت الداروينية أوهام الكرامة البشرية الأصيلة ووضعت حدا لاستعلاء فرد واحد من الأسرة الحيوانية على أقرانه, "ما دام الجميع يرجع إلى سلف مشترك, ففيم الفخر بالأحساب والتعالي بالأنساب؟" تصور كثيرا من الملاحدة الافتراضيين يتلونون تلون الحرباء وينقنقون نقيق الضفادع ويبثون أفكارهم التنورية في مكر ودهاء ولا يكاد يسمع لهم إلا فحيح, تخيل شعر القرود يتساقط وظهورها تستقيم وذيولها تندثر شيئا فشيئا لتلتحق بركب الإنسانية, تخيل الزرافة تمد رقبتها في طموح, فهي لا تقنع بالثمار الدانية, بل تشرئب إلى العلياء حتى صار عنقها بهذا الطول العجيب. يحيا التطور.

تخيل مدرس الكيمياء في سترته البيضاء يقول: "يستخرج "زيت التنوير" بعد عملية شاقة ومعقدة, من مسام المجتمعات الخرافية, ومن خلايا الثقافات الرجعية, ويستخلص بوسائل علمية دقيقة وبآليات منهجية حديثة, ويتم تقطيره من مستنقع الشك ومن حمأة الحيرة, ويحمى عليه في أتون التحرر ويرش بمحلول الإنفتاح ويحفظ في جو العقلانية حتى يتخمر ويصير كالقار الخالص, حينها يسقى به المتنورون شربة هنيئة لا يظمؤون بعدها إلى الإيمان أبدا.

تذكر فصل العربية, وتذكر المعلقات والمقامات, وتذكر الشواهد القرآنية, امتعض من المدرس الذي كان يرى أن الإسلام مبتدأ وخبر, وأنه فاعل مرفوع لا حد لرفعته وعلامة رفعه ضمه لأجناس أهل الأرض تحت رايته, فلا يختص به جنس دون آخر, ولا أرض دون أخرى, استغرب من اجتياح هذا الدين للشمال المتنور, عجبا كيف يكون منهج من "الماضي" فاعلا في "المضارع", بل كيف يريد أصحابه أن يملكوا "المستقبل"؟ وكيف لهم أن يخاطبونا بصيغة "الأمر"؟, لا شك أن هذا الإسلام دين "الجمع", يصر أن يجمع كل شيء تحت ظله:"المفردة" و"الجملة" و "الضمير" الظاهر والمقدر والمستتر. إن الخصوم يتصورون أن يجتاحوا أعاصير عصور ما بعد الحداثة, وعواصفها الهوجاء التي تسلط عليهم بسلام, لكن هيهات, نحن في زمان ما بعد الحداثة. إن هؤلاء القوم لا يرون حقائق دينهم إلا مصدرة "بحروف التحقيق", ولا يراها "المتنورون" إلا في جوار "حروف الشك والمقاربة". إن "حزب التنوير" يحب السلام والتسامح و الإسلام أقام بنيانه على "الفتح". تأمل في فكرته قليلا وتساءل: لكن أي "فتح" هذا الذي بلغ المشرق والمغرب, لا بد لي أن أقر أنه فتح للعقول التي لم تتسلح بمنهج الشك التنويري, نعم, قد فتح الخصوم العقول, وأخفقنا في ذلك."

لكن أين موقع الإلحاد من العربية؟ لا شك أنه ما زال "مجرورا" منذ وجد, يعيش في "الضمير المستتر", كأنه "فعل مبني للمجهول", وأحسن أحواله أن يكون "مفعولا به". وربما أتاح له الزمان فلتات فيتسلم منصب "نائب الفاعل" على حين غرة من "الفاعل" الحقيقي. الإلحاد لا يحيا –للأسف- إلا مصدرا "بحروف النفي", إذا كان الإلحاد استفهاما, فإنه استفهام استنكاري لا ريب في ذلك, إنه فكر لا يرجى له مستقبل إلا في أحضان "لعل" و"عسى". الإلحاد "جملة اعتراضية" و"خبر محذوف". يبدو أن هذا المذهب المظلوم قد ابتلي بكل "حروف العلة". الإلحاد في ديار الإسلام كلمة لا محل لها من الإعراب. الإلحاد دين المفرد أوالمثنى على أحسن تقدير, تنتحله شرذمة هنا وأخرى هناك, تجمع جمع قلة, و تضاف إليها كل الأوصاف المقصورة والأفعال الناقصة. إن العربية بيئة لغوية معادية للإلحاد, لهذا يسعى كثير من الزملاء إلى كسر كبرياء هذه اللغة المؤمنة بالحط من قدرها وبتقديم اللغات الأجنبية و اللهجات العامية عليها, فلا عجب أن صارت الأمازيغية عندهم آخر صيحة, لكنه سمع من مصادر موثوقة أنه لا ينصح أبدا بالجهر بالأفكار الإلحادية في بيئة أمازيغية أصيلة, فإن الأمازيغ مسلمون شديدو التأثر بالموروث الديني, وربما تنقلت إليهم جينات "بن آجروم" عبر القرون. تخيل أبو الإلحاد ذلك كله وتساءل في قرارة نفسه: "هل سيأتي يوم ينعم فيه الإلحاد العربي بالازدهار في أحضان لغات لا تعامله بمنطق الفتح والكسر والضم والجر؟ هل يمكن للعربية أن تكف عن النظر إلى هذا الفكر "المتنور" بمنظار التنكير وبصيغة "التمييز"؟ حينها بدا كأن هذه الليلة ستكون مستثناة من عناء السهاد, فبدأ يتخيل حروف العطف تداعب أجفانه فاستسلم لنوم عميق .
avatar
حسين عبدالرحمن حسن
عضو متميز
عضو متميز

عدد المساهمات : 191
تاريخ التسجيل : 19/11/2009
العمر : 24

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى